بقلم د. ساري جمو*

تضم “القرى القديمة في شمال سوريا” أو ما يسمى بـ “المدن الميّتة” أكثر من ٧٠٠ موقع أثري، تقع في جبال الكتلة الكلسية في شمال غرب سوريا في محافظتي إدلب وحلب. تمتّد القرى القديمة على مساحات واسعة على سلسلة من الجبال الكلسية تمتد من الشمال إلى الجنوب وهي جبل سمعان وجبل باريشا والجبل الأعلى والجبل الوسطاني وجبل الزاوية. بُنيت هذه القرى بين القرنين الأول والسابع الميلاديين، وهُجرت خلال القرنين الثامن والعاشر عندما بدأ عدد السكان في الانخفاض. يُشير العالم تشالينكو **(Tchalenko 1953) إلى أن المنطقة كانت تعتمد في اقتصادها على الزراعة الأحادية، أي زراعة نوع واحد من الأشجار، وتعتمد على إنتاج زيت الزيتون الذي جَلبَ الثروة إلى المنطقة. أنتجَ الفلاحون الزيتون على نطاق واسع، وقاموا بتصدير زيت الزيتون إلى مدينة أنطاكية المجاورة وبعد ذلك إلى المدن الرومانية والبيزنطية عبر البحر الأبيض المتوسط. تتميّز القرى القديمة في شمال سوريا بالعديد من الآثار والمباني المعمارية المحفوظة جيداً بما في ذلك الكنائس والفيلّات والمعابد والمنازل السكنية والصهاريج والحمّامات التي تعود إلى العهدين الروماني والبيزنطي والتي تُميّز المشهد الثقافي في هذه المنطقة. ونظراً لفرادة وثراء هذه القرى، تم إدراج 36 قرية قديمة من إجمالي المواقع في قائمة التراث العالمي لليونسكو في عام ٢٠١١، كما أُدرجت على قائمة اليونسكو للتراث العالمي المُهدّد بالخطر في عام ٢٠١٣.

البارة، معصرة زيتون، القرن 5-6 م
معصرة زيتون في البارة، القرن 5-6 م | رامي الأفندي (CC-BY-NC-SA)
باقرحا، الكنيسة الشرقية، 546 م، مشهد عام
مشهد عام للكنيسة الشرقية في باقرحا، 546 م | بيتر هايسكة (CC-BY-NC-ND)
البارة، توابيت حجرية مدمرة في المدفن الهرمي أ، القرن 6 م
توابيت حجرية مدمرة في المدفن الهرمي أ في البارة، القرن 6 م ‎| مركز آثار إدلب

تسبّبَ الصراع الدائر في سوريا والذي بدأ في عام ٢٠١١ بأضرار جسيمة طالت السوريين وممتلكاتهم، كما طالت التراث الثقافي الذي يُعتبر مهم للغاية في تاريخ البشرية. تتعرّض الممتلكات التراثية في البلاد للعديد من التهديدات كالتدمير والنهب والاتجار غير المشروع والسرقة وتجّار الآثار الفاسدين مما يؤدي إلى إلحاق أضرار كبيرة أو تدمير للعديد من المواقع الأثرية الهامة والمعالم التاريخية. كما أجبرت العمليات العسكرية العديد من السكان على الفرار من مدنهم وبلداتهم إلى أماكن آمنة، واستقرَّ الكثير منهم في القرى القديمة مُعتقدين أنَّ هذه المواقع الأثرية ستؤمّن لهم ملاذاً آمناً. وبالتالي، أصبحت الأبنية الرومانية والبيزنطية مسكناً دائماً للعديد من العائلات، وأُعيد استخدام الحجارة المتساقطة في المواقع لبناء مساكن لهؤلاء الأشخاص. من ناحية أخرى، أدّى نقص الحماية للمواقع والظروف الاقتصادية السيئة، إلى توجه الناس للبحث عن الكنوز في هذه المواقع، وبالتالي ازدادت التنقيبات غير الشرعية عن الآثار في عديد منها. تسبب جَشَعَ البعض وعدم مسؤوليتهم في تدمير منهجي لعدد من المواقع الأثرية من خلال إعادة استخدام حجارة المواقع وتحويلها إلى كتل منحوتة أو محفورة وبيعها لبناء منازل حديثة على نطاق واسع مقارنة بما كان عليه الحال قبل عام ٢٠١١. لا يمكننا إخفاء حقيقة أن قلّة الوعي العام لدى كثير من الناس حول أهمية الممتلكات الثقافية، وعدم إدراكهم بأن هذه الممتلكات تخصُّ جميع السوريين، هو عامل أساسي أفضى إلى هذا الحال ويجب أخذه بعين الاعتبار.

الرفادة: السكن داخل خربة تاريخية
السكن داخل خربة تاريخية في الرفادة | شتيفان هايدمان (CC-BY-NC-ND)

إعادة استخدام مبنى بيزنطي كمسكن، سرجيلا
إعادة استخدام مبنى بيزنطي كمسكن في سرجيلا | إيفا هاوشتاين-بارتش (CC-BY-NC-ND)

كنيسة الحصن في مدينة البارة

الدمار والتخريب المتعمّد في القرى القديمة في شمال سوريا، كنيسة الحصن في مدينة البارة
إعادة تصور بناء كنيسة الحصن في البارة، عن تشالينكو 1953

أجرت جامعة تسوكوبا في عام ٢٠١٧ مسحاً أثرياً لتوثيق التراث الثقافي السوري المهدَّد بالخطر بدعم مالي من وكالة الشؤون الثقافية في اليابان وبالتعاون مع إحدى منظمات المجتمع المدني في أحد مواقع التراث العالمي في سوريا، أي “القرى القديمة في شمال سوريا”. تم الإبلاغ عن تدمير العديد من القرى القديمة في شمال سوريا بسبب الصراع الشديد المؤسف في المنطقة. على سبيل المثال، تمَّ الإبلاغ عن أضرار جسيمة لحقت بكنيسة القدّيس سمعان في جبل سمعان، بالإضافة إلى موقعي البارة وسرجيلا، وهما مركزان تجاريان كبيران قديمان في جبل الزاوية. لذلك فقد تم البدء بمشروع لتوثيق هذه المباني الهامة، وخاصة الكنائس القديمة في موقع التراث العالمي باستخدام المجسّمات ثلاثية الأبعاد. وقع الاختيار للتوثيق ثلاثي الأبعاد على البارة وذلك وفقاً للمعلومات الواردة بأن المباني فيها تعرّضت لأضرار بالغة جرّاء القصف والسرقة وإعادة استخدام حجارة المباني فيها. مدينة البارة هي واحدة من المواقع الرئيسية ضمن موقع التراث العالمي “القرى القديمة في شمال سوريا” وتحتوي خمسة كنائس قديمة على الأقل. أكبر كنيسة كانت محفوظة جيداً في الموقع (سابقاً) هي ما تُسمّى بـ “كنيسة الحصن”، وتقع في الطرف الشمالي للموقع. إنها كنيسة نموذجية على الطراز البازيليكي يعود تاريخها إلى القرن الخامس. إلّا أن الحال في البارة ليس أفضل من المواقع الأخرى في المنطقة، حيث داهم السكان المحليين المواقع الأثرية على نطاق واسع وقاموا بتفكيك حجارة المباني بشكل منهجي. وقد لُوحظ وجود آلة حفر ثقيلة – تُستخدم على الأرجح لحفر أساسات منزل حديث – وهي تجرف بقايا موقع أثري سابق.

الدمار والتخريب المتعمّد في القرى القديمة في شمال سوريا، كنيسة الحصن في مدينة البارة
صورة أقمار صناعية تظهر موقع كنيسة الحصن، Google earth, 2010
الدمار والتخريب المتعمّد في القرى القديمة في شمال سوريا، كنيسة الحصن في مدينة البارة
صورة أقمار صناعية تظهر موقع كنيسة الحصن، Google earth, 2017
الدمار والتخريب المتعمّد في القرى القديمة في شمال سوريا، كنيسة الحصن في مدينة البارة
صورة أقمار صناعية تظهر موقع كنيسة الحصن، Open Street Map, 2021

من أسوأ مظاهر التدمير والتخريب المتعمّد التي آلت إليها المواقع الأثرية في المنطقة هو حال الكنيسة رقم ١ في البارة (بازيليكا الحصن). لقد اختفت معالم المبنى تقريباً وكان من الصعب التعرّف عليه. للأسف، تحوّلت كنيسة الحصن إلى حقل لزراعة الأشجار المثمرة كالتين. ومن المرجح أن تنهار بقايا الحنية المقوّسة الشكل التي مازالت قائمة في الجانب الشرقي من المبنى. أُعيدَ استخدام أجزاء كثيرة من حجارة المبنى ونقلها إلى أمكان أخرى، كما استخدمت الحجارة لبناء مصطبة حجرية بُني عليها مبنى حديث. وبالتالي لم نتمكن من فعل أي شيء لحماية المبنى باستثناء التقاط بعض الصور.


كنيسة الحصن، تشكل بقايا أحد جدران البازيليكا حد لحقل زراعي
تحويل كنيسة الحصن إلى حقل زراعي ومنزل حديث، البارة | جامعة تسوكوبا، مركز أبحاث حضارة غرب آسيا (CC-BY-NC-ND)
كنيسة الحصن، بقايا من البازيليكا بعد هدمها لتحويل الموقع إلى حقل زراعي
بقايا الجدران الشرقية لكنيسة الحصن في البارة | جامعة تسوكوبا، مركز أبحاث حضارة غرب آسيا (CC-BY-NC-ND)

مبادرات السكان المحليين

قلب لوزة، بازيليكا من القرن 5م، مشهد للحنية من الشرق والواجهة الجنوبية
مشهد عام لبازيليكا قلب لوزة (الحنية والواجهة الجنوبية)، القرن 5م | إيفا هاوشتاين-بارتش (CC-BY-NC-ND)

تقع العديد من المواقع الأثرية في “القرى القديمة في شمال سوريا” بالقرب من البلدات الحديثة، وبعض تلك المواقع قائمة على أراضٍ خاصّة تعود ملكيتها للسكان المحليين. تُشير الأنباء إلى تعرّض المواقع البعيدة عن أعين الناس أو القرى المأهولة لأضرار أكبر. على الرغم من الدمار الذي شهدته معظم المواقع في هذه المنطقة، أُفيد عن مبادرات إيجابية من قِبل السكان المحليين لحماية تلك المواقع. وتُبيّن هذه المبادرات الدور الفعّال للسكان المحليين في الحفاظ على التراث الثقافي. على سبيل المثال، في قرية “فركيا”، وهي قرية قديمة مأهولة بالقرب من مدينة البارة، تتميّز بآثارها الرومانية والبيزنطية الهامة مثل “قصر الحمّام” و “قصر هرقل” وغيرها من المباني ذات الأرضيات الفسيفسائية الكبيرة. ونظراً لأهمية هذه القرية، شكّل السكّان المحلّيون لجنة متخصّصة لحماية آثار القرية ومعالمها التاريخية من النهب والتخريب، ونجحوا في مراقبة آثار القرية، وإعادة طمر الحفر الناتجة عن التنقيبات غير القانونية عند اكتشافها. على عكس القرى الأثرية المجاورة التي تعرّضت لشتّى أنواع التخريب، فإن آثار قرية فركيا ما تزال محمية بشكل جيّد. كما ساهم المجلس المحلّي في قرية قلب لوزة في جبل الأعلى في الحفاظ على الموقع المشهور بكنيسته البيزنطية التي تعود للقرن الخامس. حيث تعرّضت الكنيسة لتنقيبات غير قانونية، واستخدمت لفترة من الزمن كحظيرة للأغنام. إلّا أنّ المجلس المحلّي في قلب لوزة بالتعاون مع إحدى منظمات المجتمع المدني المحلّي العاملة في حماية التراث الثقافي “مركز آثار إدلب”، استطاع وقف أعمال التخريب هذه، حيث تمّ تنظيف مبنى الكنيسة بالتعاون مع أهالي القرية، وتم إصلاح أبواب الكنيسة، والموقع في حالة جيدة الآن.

للأسف، لا يدرك العديد من السكان المحليين أن المواقع الأثرية والممتلكات الثقافية في سوريا هي جزء من هويتهم الوطنية. ويمكن أن يُعزى ذلك إلى عوامل مختلفة منها انعدام المناهج التعليمية في المدارس أو المواد التثقيفية حول أهمية الآثار السورية، ونقص حملات التوعية للسكان المحليين، وغياب المشاركة المجتمعية في إدارة المواقع والأنشطة التي تشجّع الناس على المساهمة في حماية التراث الثقافي. وبالرغم من ذلك، يتعيّن على السكان المحليين مشاركة الشعور بالمسؤولية تجاه حماية التراث سواء تلقّوا الدعم من الجهات المعنية أم لا، وذلك من خلال القيام بمبادرات فردية أو على المستوى المحلي. أعتقد أنَّ الكثير من الناس لا يشاركوننا الرأي، ويمكننا رؤية نتائج ذلك بوضوح من خلال الاعتداء على الممتلكات الثقافية بطرق مختلفة. ولكن من ناحية أخرى، لم تتلقَ المبادرات الفردية والمحلية الساعية لحماية التراث الثقافي الدعم الكافي لتعزيزها وانتشارها في مختلف المناطق في ظل هذه الظروف الصعبة.

بناء على ما سبق، سألخّص بإيجاز الأسباب الكامنة وراء تدمير المواقع الأثرية من خلال نقطتين أساسيتين:

أولاً، من منظور التعليم: لتحديد العوامل الرئيسية التي تؤثر على تعاون السكان المحليين في حماية التراث من عدمه، فإن “نقص التعليم” هو العامل الحاسم. لم يتلقَ السوريون عموماً تعليماً ثقافياً في المدارس حول أهمية الآثار ومدى أهمية الآثار السورية في تاريخ العالم. من ناحية أخرى، فإن معظم بعثات التنقيب الأثرية – إن لم يكن كلها – التي أجرت تنقيبات في سوريا لعقود، لم تساهم في رفع الوعي بأهمية الآثار للسكان المحليين من خلال محاضرات تثقيفية في نهاية مواسم التنقيب. نتيجة لذلك، يمكن إدراك العواقب السلبية للتقاعس عن القيام بتلك الأعمال بشكل واضح في السنوات الأخيرة.

ثانياً، العوامل الاقتصادية: عاش السكان المحليون بالقرب من هذه المواقع لفترة طويلة، لكنهم لم يستفيدوا منها ماديّاً رغم أن بعض تلك المواقع كانت تقع على أراض خاصّة. لذلك بدأ الكثير من الناس يميلون إلى استثمار هذه المواقع في مجالات مناسبة للزراعة، والتي – من وجهة نظرهم – أكثر فائدة لهم من كونها مواقع أثرية.

كنيسة الحصن، بقايا من البازيليكا بعد هدمها لتحويل الموقع إلى حقل زراعي
بقايا الجدران الشرقية لكنيسة الحصن بعد تحويلها إلى حقل زراعي، البارة | جامعة تسوكوبا، مركز أبحاث حضارة غرب آسيا (CC-BY-NC-ND)
كنيسة الحصن، بقايا إحدى وجهات البازيليكا والتي تحولت بعد هدمها لحقل زراعي
بقايا إحدى واجهات كنيسة الحصن في البارة | جامعة تسوكوبا، مركز أبحاث حضارة غرب آسيا (CC-BY-NC-ND)
كنيسة الحصن، تشكل بقايا أحد جدران البازيليكا حد لحقل زراعي
تشكل بقايا جدران كنيسة الحصن حد لحقل زراعي، البارة | جامعة تسوكوبا، مركز أبحاث حضارة غرب آسيا (CC-BY-NC-ND)

أخيراً، يمكن القول تعليقاً على وضع دمار كنيسة الحصن بأنَّ سلّة فاكهة – من وجهة نظر مالك الأرض – أغلى من كنيسة تعود للقرن الخامس. وبالتالي، قد يطالب مالك الأرض بسعر إضافي لمحصوله لأنه يأتي من أرض تعود إلى القرن الخامس (أو ربما أقدم).


*تستند هذه المقالة إلى دراسة ممولة من زمالة بحثية من الجمعية اليابانية لتعزيز العلوم (JSPS) ، رقم منحة KAKENHI 19F19004.

**Tchalenko, Georges, Villages antiques de la Syrie du nord: le massif de Bélus à lʼépoque romaine, 3 vols., Paris 1953–1958


صورة المقدمة: مشهد عام لجانب من آثار البارة | إيفا هاوشتاين-بارتش (CC-BY-NC-ND)


تأليف/نشر ساري جمو: ساري جمو زميل أبحاث ما بعد الدكتوراه في الجمعية اليابانية لتعزيز العلوم بجامعة طوكيو. حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة تسوكوبا اختصاص علم آثار الشرق الأدنى القديم، ومهتّم بحماية التراث الثقافي في مناطق النزاع

تأليف/ نشر مشروع توثيق الإرث الحضاري السوري

مشروع تشاركي في ألمانيا لرقمنة مواد التراث السوري (متحف الفن الإسلامي ببرلين ومعهد الآثار الألماني) في الفترة من 2013-2019

التعليق هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.