هذا المنشور موجود أيضاً باللغة: English (الإنجليزية) Deutsch (الألمانية)

رغم افتقادها جمالَ المظهر، إلا أن سحرها الخاص المتجسّد برائحتها ولونها ينقل خيالك وقلبك وذاكرتك من أيّ مكان في العالم إلى سوق العطّارين الذي يتوسط سوق المدينة الكبير في حلب، وربما يأخذ عطرُها ذاكرتَك أيضاً في جولة إلى حمّامات حلب القديمة العابقة بعبير الغار.

صابون حلبي

   إنها صابونة حلب أو صابونة الغار مكعبة الشكل التي اشتهرت حلب بتصنيعها منذ قرون عديدة. كانت هذه الصناعة التقليدية المحلية المتوارثة إحدى أهم صناعات مدينة حلب التي أنتجتها بكميات كبيرة بالمقارنة مع مناطق أخرى من سوريا. وقد تفرّدت بعض العائلات الحلبية بإنتاج الصابون الذي كان يصنع في مصابن تقليدية جُهّزت معداتها في مبانٍ تاريخية قديمة. لم تكن الصناعة وحدها هي المحلية ، بل مواد التصنيع التي جُلبت من عدة أماكن سورية أيضاً، فزيت الزيتون مكوّن أساسي، يُجلب من مناطق غرب حلب وشمالها . أما زيت الغار الذي يمنح الصابون الرائحة العطرة واللون الأخضر، فإن مصدره غابات الجبال الساحلية الواقعة بين أنطاكيا وكسب. ولا تتم صناعة الصابون من دون المادة القلوية التي تستخرج من حرق نبتة الإشنان المنتشرة في البادية السورية.

    ومع الإنتاج الضخم للصابون الحلبي، إلا أن صناعته المحلية تعتمد في الأساس على موسم قطاف الزيتون وعصره، فالمعتاد أن يبدأ موسم الإنتاج أو مايسمى بطبخ الصابون  في شهر تشرين الثاني ويستمر حتى آذار أو نيسان.

مصبنة جبيلي، وعاء طبخ الصابون

    لقد شهدت بداية العصور الوسطى  ظهور أولى ورشات تصنيع الصابون في حلب ، وتحديداً في حي باب قنّسرين.  ومالبث هذا النشاط أن انتقل إلى الشمال الغربي ،والجنوب الغربي من حي بحسيتا، حيث يأتي زيت الزيتون عبر باب الجنان. كان شارع (المصابن) المتّجه من باب الجنان إلى القلعة يضمّ أكثر من 20 ورشة، وكان يؤدّي شمالاً إلى حيّ المصابن الذي هُدِم عام 1975.

   وفي حلول القرن 16 أو 17، شهدت حلب تطوراً  ملحوظاً في تصنيع الصابون، فقد استُبدِلت الورشات الصغيرة بمبانٍ كبيرة تستوعب كميات أكبر من الإنتاج . واللافت أن أغلب تلك المباني لم تُنشأ لغرض تصنيع الصابون، بل الصبّانون استخدموها كمصابن بعد أن قاموا بتعديل الطابقين الأرضي والعلوي من الأبنية بما يتناسب و أغراض التصنيع. تلك التعديلات على المباني أدّت إلى صعوبة تحديد تصاميم خاصة بالمصابن أو حتى معرفة تاريخها. ومع ذلك هناك مصابن مؤرّخة تعود إلى بداية القرن التاسع عشر.  وتعدّ مصبنة زنابيلي الواقعة خارج باب النصر، ومصبنة جبيلي في باب النصر من أقدم المصابن في حلب، ويرجع تاريخهما إلى منتصف القرن الثامن عشر أو إلى أواخره.

     ومع شهرة المصابن الحلبية التقليدية الواسعة، إلا أن عددها قد تقلّص كثيراً في المدينة القديمة خلال القرن العشرين، ليصبح ستّ مصابن تتوزّع على منطقتين: الأولى باب قنسرين التي تضم مصبنتي جبيلي وصابوني، والثانية باب النصر حيث توجد مصبنتا زنابيلي وجبيلي بجوار المدرسة الرضائية (المدرسة العثمانية).  وثمّة مصبنة أخرى للزنابيلي تقع إلى الخارج قليلاً من باب النصر، أما عائلة “مقيّد” فتمتلك مصبنة شمال غرب القلعة. وأخيراً مصبنة فنصة التي كانت تشغل خان القاضي، والتي تغيّرت وظيفتها لاحقاً.

   ولم تقتصر صناعة صابون الغار التقليدية على استخدام المباني القديمة كمصابن، بل اعتمد كثير من الصبانين الحلبيين على منشآت حديثة انتشرت في جميع أنحاء المدينة. ومع توسّع انتشارها، برزت عائلات جديدة في مجال التصنيع ، منها عائلات : صلاحية، وحمامي، وعبجي، وأبو دان، و فتال، وخياطة.

    والجدير بالذكر أن مراحل عملية التصنيع تفرض تصميماً متشابهاً للمصابن من حيث الأقسام، لكن أحجامها تختلف  من واحدة إلى أخرى. أما مداخلها فهي مشابهة لمداخل الخانات، وفي الغالب تكون ذات أسقف معقودة، وفي حالات نادرة كقبوات متصالبة. إذ يعبر المرء منها ليصل إلى باحة مستطيلة الشكل، تستخدم مكانًا لتخزين المواد الأولية كالغار والمواد القلوية المستخرجة من حرق الإشنان. يتوضع المرجل في طابق تحت الأرض  يمكن الوصول إليه بواسطة درج موجود في الباحة. أما المستودعات فهي غرف صغيرة مقبّبة، في داخلها يُحفظ الإشنان والخشب وفحم نوى الزيتون. وتتميز غرف التخزين في المصابن التي تشغل الخانات القديمة  بأحجامها الصغيرة ذات الأسقف المعقودة.

   ولم يكن بدّ من وجود مساحة واسعة في المصبنة التقليدية الحلبية كي تتم عملية طبخ الصابون. لذلك فقد خُصصت صالة كبيرة تتسم معمارياً بأعمدتها التي تحمل قبوات متقاطعة، حيث تصطف أوعية طبخ الصابون الضخمة المليئة بمزيج سائل من المواد المكوّنة للصابون الشهير.

مصبنة جبيلي، مرحلة صف الصابون لتجفيفه

   وإن تكفّل الطابق الأرضي  بأغلبية المهام، فإن الطابق العلوي  تخصص بمهمة وحيدة إلا أنها أساسية وهي تجفيف الصابون، فقد صمّم ليتلقّى أكبر كمية ممكنة من الهواء مع تأمين طريقة لجريانه بالشكل الأفضل، لذلك نالت عمارته اهتماماً كبيراً. إذ تتألف الصالة من صفوف متوازية من أقواس قائمة على أعمدة، ومسقوفة بجملونات تحتوي على فتحات مخرّمة. ولكل مكان في هذا الطابق وظيفته، فالمساحات بين الأقواس هي المكان الأمثل لفرد الصابون الطري وتقطيعه يدوياً بعد تماسكه، أما تلك المحجوزة بين الأقواس فوظيفتها استقبال قطع الصابون المكعبة والمصفوفة غالباً على شكل أبراج جميلة، بطريقة تسمح بوصول الهواء لكافة أطراف الصابونة الواحدة. ويبقى ذلك المكان عابقاً بعطر الغار لمدة تتراوح بين ستة إلى تسعة شهور وهي الفترة اللازمة ليجف فيها الصابون قبل أن  يُعبّأ ومن ثَمًّ يُباع أو يصدّر.

   كان العراق أحد أهم أسواق  تصريف صابون حلب، لكن للحرب العراقية  تأثير كبير على إغلاق هذه السوق، وبالتالي اضطراب عملية التصدير، إلا أن انفتاح هذه الصناعة على السوق الأوروبية أدت إلى إنعاشها من جديد. وعلى الرغم مما سببّته الحرب في سوريا من دمار وخراب بعض المصابن التقليدية في المدينة القديمة، فإن بعضها الآخر مايزال قائماً ولم يتوقف عن الإنتاج ويحافظ دائماً على الأساليب التقليدية الأصيلة في التصنيع.

وعلى الرغم من جميع الاضطرابات التي كان لها  تأثير مباشر على صناعة الصابون، لم يتوان الحلبيون منذ قرون عديدة حتى اليوم عن الاهتمام بصناعة صابون الغار، فكما هي صنعة للعيش، فهي أيضاً تراث حضاري تتميز به حلب إحدى أهم المراكز التجارية في الشرق الأوسط.

معرض الصور المتعلقة بالمقال: أنقروا على الصور لتكبيرها!

تأليف/ نشر هبة بزرة

Archaeologist and urban researcher from Syria. Working for Syrian Heritage Archive in 2018-2019

التعليق هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.