بقلم اليزابيث كورينث

بيدٍ ثابتة، يضع عبد الرؤوف بيضون معجوناً لزجاً على نماذج مرسومة مسبقاً فوق سطحٍ أبيض. في غضون أيامٍ قليلة سيتحول هذا النموذج إلى زخرفة سورية الروح، ساحرة وغنية بالألوان للجدران والأسقف مستوحاة من حرفة كانت ذائعة الصيت فيما مضى وبالغة التعقيد تُعرف باسم الخشبيات المدهونة، أو الدهان الدمشقي، أو ببساطة العجمي.

العجمي هو شكل تاريخي من أشكال الزخرفة  والتصميم الداخلي في سوريا. تستخدم هذه الكلمة لوصف تقنية وضع العجينة النافرة (الريليف) على سطحٍ مستوٍ، وتُطلق كذلك على الزخارف نفسها وعلى الغرف المغطاة بهذا الفن من الألواح الخشبية المدهونة. إنها إحدى أشهر الحرف اليدوية السورية في وقتنا الحاضر. يتم عمل الزخرفة الجميلة بوضع عدة طبقات من الدهان وبالجمع بين المواد والعناصر الزخرفية المختلفة. وغالبًا ما يتم استكمالها بما يعرف باسم أعمال أوبوس سكتايل (نوع من أعمال الفسيفساء مصنوع من الأحجار، والأصداف، والعناصر الزجاجية) مع نماذج معقدة من أعمال الخشب المنحوت. إن هذا التعاقب بين العناصر اللماعة و غيراللماعة وبين الضوء والظل هو ما يضفي على هذه الغرف التاريخية طابعها الفريد.

داخل بيت دمشقي تقليدي مكسي بالعجمي (© متحف المتروبوليتان للفنون، الصورة: بريان ويتني)

لقد تأثرت هذه الحرفة عبر الزمان بمناطق جغرافية مختلفة، وتاريخها يرجع إلى عصر المماليك (القرن الثالث عشر/الرابع عشر) على أقل تقدير. وبحسب البروفيسور شتيفان فيبير، مدير متحف الفن الإسلامي في برلين، فإن تاريخ هذه الحرفة قد يرجع إلى عصر الفاطميين. في العصر العثماني، مرت الحرفة بأزهى عصورها، حيث قدمت مزيجاً من العناصر العربية، والفارسية، والأوروبية، والهندية، والتركية، وأصبح فن العجمي حرفةً متطورة وعالية المستوى للغاية في سوريا، وجزءاً لا يتجزأ من المنازل السورية التقليدية لأبناء الطبقة العليا في العصر العثماني، زُينت العديد من الغرف بالرسم العجمي. في القرون التالية، ظهر العديد من الورشات العائلية في سوريا التي امتهنت هذه الحرفة ونقلت معرفتها من جيلٍ إلى جيل. ومنذ ذلك الحين تطورت الحرفة، وما زال يعمل بها مجموعة من الورش حتى يومنا هذا على الرغم من أن التقنيات قد تغيرت تغيرًاً كبيراً وتسببت الحرب في ندرة الطلب عليها.

العجمي من الألف إلى الياء

صناعة زخارف العجمي

تتكون الغرف المزخرفة بالعجمي في الأصل من سلسلة من الألواح الخشبية المؤطَّرة التي تغطي الجدران والأسقف؛ متضمنة الأبواب والنوافذ والخزائن في تصميمها. وعادة ما يستخدم خشب الحور، أو الأرز، أو السرو، أو الجوز لصناعة الألواح. تختلف بعض أنواع الخشب أيضاً داخل الغرف: ففي دمشق، على سبيل المثال، عادةً ما تُصنع الألواح والإطارات السقفية من خشب الحور، في حين تُصنع الأبواب والمصاريع من الخشب الأكثر صلابةً كخشب الجوز. وفي حلب، كان خشب الأرز والجوز هو الأكثر استخداماً. عادةً ما كانت الألواح الفردية تترك بعض الفجوات فيما بينها، والتي يتم سدها في الغالب باستخدام المواد العضوية. (الصورة: © آنكه شاراز)

إعداد الخشب

تُربط الألواح ببعضها البعض باستخدام مادة لاصقة من الألياف النباتية، أو الغراء الحيواني، أو ببساطة بواسطة المسامير. وكانت هذه الألواح في بعض الأحيان تُغطَّى بالقماش لإخفاء الوصلات أو لتغطية المسامير، وفي قصر العظم بحماة استُخدم الورق كطريقة لإخفاء المسامير والوصلات. قبل وضع الزخارف، كانت الألواح الخشبية تعالج بإتقان بأدوات ومواد مختلفة وتدهن بدهان الأساس (البرايمر). وعادةً ما كان يتم تجهيز السطح الخشبي بشكل منفصل حسب المتطلبات المختلفة للزخارف والرسومات اللاحقة. وكان شائعاً استخدام خليط من الجبس المطفيّ والغراء الحيواني كدهان أساس. وفي بعض الأحيان، كان يتم عمل دهانات الأساس بلون أزرق فاتح أو برتقالي أو أصفر يحتوي على لون نيلي أو مينيوم (رصاص أحمر) أو رهج أصفر. وفي بعض الحالات، كما في غرفة حلب في برلين، كانت توضع رقائق القصدير مباشرةً على عدد قليل من الألواح باستخدام طبقة راتنجية لزجة، في حين أن الزخارف العجمية قد تم وضعها على بعض الألواح الخشبية قبل الزخارف القصديرية في بيت الحورانية في دمشق. إلا أنه في وقتنا الحاضر، عادةً ما يتم استبدال الألواح الخشبية بألواح ام دي اف (MDF)؛ لأنها أرخص وأسهل في الاستخدام. (الصورة: © محمد حاج قاب، CC-BY-NC-ND)

النماذج المرسومة مسبقًا للزخرفة العجمية

لزخرفة الألواح الخشبية ودهانها، استخدمت قوالب النسخ كدليل أولي؛ لذلك كانت توضع قطعة ورق مثقّبة بثقوب مصفوفة على السطح الخشبي، ثم يتم ذرّ مسحوق الفحم من كيسٍ نسيجيٍ صغير على القالب. وبهذه الطريقة، تتحول حواف الرسم العجمي إلى أرضيةٍ مدهونةٍ بدهان الأساس. ثم كانت الزخارف الفردية التي لا تتبع النموذج العادي تُرسم بحرية. (الصورة: © زياد بيضون Baydoun Creation, CC-BY-NC-ND)

وضع العجينة النافرة (الريليف) أو النباتة

بعد تصميم الرسم، توضع الزخرفة العجمية بشكل نافر وهنا يلعب التركيب الصحيح للعجينة النافرة (الريليف) (النباتة)دوراً مهمّاً. لابد من استخدام الكمية المناسبة من المياه والغراء والجص ليتحول الخليط اللزج من الجبس غير المخبوز والغراء الحيواني إلى العجينة المطلوبة. في حال كان تركيب العناصر المختلفة غير صحيح قد يتسبب ذلك في هبوط العجينة، تاركاً طبقة مسامية. يستخدم الحرفيون اليوم في الغالب خليطًا من الأكريليك اللاصق، والطباشير، والجبس، وأبيض الزنك. (الصورة: © زياد بيضون Baydoun Creation, CC-BY-NC-ND)

صنع النباتة

إن المزيج المركب لعجينة النباتة أو العجينة النافرة هو سرٌ تمت المحافظة عليه بشكل شديد. كان شيخ الكار (أو المعلم) يخلط المزيج بنفسه، وارتبط سر صنع هذه الخلطة بالكثير من الاشاعات والمعتقدات، مثلاً كإضافة القليل من السكر، وأحياناً الشاي إلى المزيج. بينما يعتقد البعض أن السر يكمن في خلط المواد باليدين المجردتين لاعتقادهم أن جلد الانسان يحوي أنزيماتِ خاصة تسرع التفاعلات الكيميائية للألوان، وتزيد من جودتها. إنها فرضية لم يتم تأكيدها علمياً قط، لكنها مع ذلك تضيف هالة من الغموض إلى هذه الحرفة. (الصورة: © زياد بيضون Baydoun Creation, CC-BY-NC-ND)

وضع الرقائق المعدنية

بعد تجفيف طبقات العجينة النافرة (الريليف)، توضع الرقائق المعدنية (وهي في الغالب رقائق من الذهب أو القصدير) على مناطق معينة أو على السطح بأكمله باستخدام المواد اللاصقة. ومنذ القرن الثامن عشر فصاعدًا، ازداد استخدام رقائق سبائك النحاس، كما اعتمد اختيار المادة اللاصقة على نوع المادة التي كانت توضع على المعجون الأساسي، فعلى سبيل المثال، كانت الزخارف النافرة الأساسية تُرطّب لوضع رقائق الذهب. واليوم، عادةً ما تستبدل الرقاقة بالدهان البرونزي. (الصورة: © آنكه شاراز)

تلوين الزخارف

في الخطوة التالية، كانت المناطق المختلفة من الطبقة المعدنية تُلمع وتُدهن بدهان زجاجي ملون. كان يتم البدء بالأسطح الكبيرة ثم يتم الانتقال إلى الزخارف الأصغر. وعادةً ما كان الدهان الزجاجي يُصنع من الراتنج الطبيعي الملون. ليس ذلك لتحسين المظهر فحسب، ولكنه يوفر كذلك الحماية من التآكل لبعض الأسطح مثل النحاس. يمكن التعرف بسهولة على المناطق غير المدهونة بالدهان الزجاجي اليوم من خلال التغير الحاصل في لون المعدن. واليوم تستخدم الألوان الحديثة لدهان الأسطح.. (الصورة: © آنكه شاراز)

الدهان بين أسطح العجينة النافرة

كانت المناطق غير المدهونة بالعجينة النافرة تُدهن بكثافة. تمثلت أشهر الزخارف في الورود والأشكال الهندسية المتكررة وكذلك باقات الزهور وأوعية الفاكهة. وكانت الأصباغ المستخدمة هي البيضاء الرصاصية، والصفراء، والقرمزية، والزرقاء السماوية، والسوداء بلون الفحم، وكذلك الأصباغ العضوية مثل القرمزية، والنيلية، والحمراء القرمزية، والصبارية، إلا أنه لم يتم توثيق طريقة صناعة المواد اللاصقة والألوان. فضاع جزءٌ مهمٌ من المعلومات الخاصة بالدهان في القرنَين السابع عشر والثامن عشر. تم التمكن من تحديد مكونات الألوان فيما بعدُ فقط من خلال التحليل العلمي. (© Staatliche Kunstsammlungen Dresden, المتحف الاثنولوجي في درسدن, الصورة: آنكه شاراز)

اللمسة النهائية

بعد ذلك يتمّ تحديد حواف الزخارف الغنية باللون الأسود أو بألوانٍ أخرى وتُظلَّل الزهور الفردية. يُعَدّ تحديد حواف الزخارف المختلفة وتظليلها أمراً مهمّاً لتوضيح شكل سطحها وحالته. ونتيجةً لذلك، لا يُظهر العجمي كصورةً فحسب، بل إنه يضيف لها بعداً مكانياً. (© Staatliche Kunstsammlungen Dresden, المتحف الأثنولوجي في درسدن, الصورة: آنكه شاراز)

العجمي ككائن حي

يجب اعتبار عمل العجمي كأنه كائنٌ حي، فالخشب والألوان تتفاعل بشكل مستمر مع البيئة التي توجد فيها. ولطالما كانت المعرفة والتناسق بين العناصر الفردية وتلك الخاضعة لقوانين الطبيعة عاملاً مؤثراً في نوعية العمل المنتج، لاسيما في الأعمال التاريخية. فعلى سبيل المثال يعتمد المزيج الصحيح للخلطة اللونية على فصل السنة ونسبة الرطوبة في المكان الذي تصنع به. الخشب كذلك، هو مادةٌ حيةٌ تتعرض للتشقق والتمدد تبعاً للظروف المناخية المتعرضة لها. استخدام المواد الحديثة كألواح الام دي اف (MDF) بسطوحها الملساء ساعد على جعل ممارسة الحرفة أسهل، إلا أن الكثير من المعارف والجوانب الأصلية المتعلقة بممارسة الحرفة قد أصبح طي النسيان خلال قرون من الزمن. (الصورة: © شتيفان فيبر)


كلمة "عجمي"

تظهر كلمة "عجمي" في مصادر مكتوبة متعلقة بالزخرفة الداخلية للمباني  إبتداءً من القرن الثامن عشر. المصطلح العربي لكلمة "عجمي" يعني"أجنبي"، ويرتبط على الأرجح بالجذور الفارسية للعديد من الزخارف المستخدمة في تزيين أسطح الفراغات الداخلية البديعة. لم يتم الاتفاق على تسمية وتعريف دقيقَين لهذه الحرفة، مما خلق الكثير من الجدل بخصوص أسماءها المتعددة وبالنسبة إلى الفنان محمد حاج قاب، فإنه يرى أن لفظ "عجمي" مناسب تماماً: "ارتبط لفظ "عجمي" بكل ما جاء من بلاد فارس. يناسب الاسم هذه المصلحة؛ نظرًا لأن العناصر الزخرفية ليست بثابتة أو قائمة على مبدأ زخرفي صارم. إننا نستخدم الزخارف والأزهار من الشرق والغرب، والتقنيات من الشمال والجنوب". هناك لفظٌ آخر شائع الاستخدام وقد يكون أكثر ملاءمةً وهو "الخشبيات المدهونة"، ويعني الألواح الجدارية الخشبية المدهونة، مما يصف منتج الحرفة. يطلق آخرون عليها اسم الدهان الدمشقي، في إشارة إلى الاعتقاد بأن مدينة دمشق هي مركز هذه الحرفة وأصلها، إلا أنه من غير الممكن حتى الآن تحديد من أين جاءت هذه الحرفة ومتى ظهرت؛ نظراً لأن أعمال العجمي التي يرجع تاريخها إلى القرن السابع عشر أو ما قبل ذلك نادرة للغاية.


اقرأ المزيد من المقالات والمقابلات في سلسلة "العجمي":

التعليق هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.