بقلم اليزابيث كورينث

يعتمد فن حرفة العجمي على مجموعة من العمليات المعقدة التي يتم فيها تطبيق الألوان والمواد الأخرى طبقة تلو الأخرى على الألواح الخشبية. يتلاعب الفنان بتعاقب الأسطح اللامعة مع غير اللامعة، والزخارف النافرة كذلك وظلالها لإضفاء الحيوية على العمل الفني، مع الحفاظ على الرسم بيد ثابتة. من أجل إضفاء الطابع المهني على حرفة العجمي ، يجب أن يتعلم الفنان الناشئ الحرفة خطوة خطوة من الألف إلى الياء. على الرغم من أن التقنيات والمواد المستخدمة قد تغيرت بمرور الزمن، إلا أن عملية إنتاج عمل من العجمي يمكن أن يتم تقسيمها إلى مجموعة من المراحل المختلفة. تمكنت الدكتورة آنكه شاراز، وهي خبيرة بالترميم، من توثيق جزءٍ كبيرٍ من مراحل العمل التقليدية على مدى عقودٍ من البحث بموضوع الألواح الخشبية المزخرفة التاريخية من سوريا، بالإضافة إلى ذلك قام مشروع خارطة التراث السوري التفاعلية باستكمال هذه المعرفة من خلال توثيق معرفة الحرفيين السوريين الذين يعملون في هذه الحرفة اليوم.

للتعرف أكثر على كلٍ من مراحل عمل العجمي من الألف إلى الياء، انقر على معرض الصور:

صناعة زخارف العجمي

تتكون الغرف المزخرفة بالعجمي في الأصل من سلسلة من الألواح الخشبية المؤطَّرة التي تغطي الجدران والأسقف؛ متضمنة الأبواب والنوافذ والخزائن في تصميمها. وعادة ما يستخدم خشب الحور، أو الأرز، أو السرو، أو الجوز لصناعة الألواح. تختلف بعض أنواع الخشب أيضاً داخل الغرف: ففي دمشق، على سبيل المثال، عادةً ما تُصنع الألواح والإطارات السقفية من خشب الحور، في حين تُصنع الأبواب والمصاريع من الخشب الأكثر صلابةً كخشب الجوز. وفي حلب، كان خشب الأرز والجوز هو الأكثر استخداماً. عادةً ما كانت الألواح الفردية تترك بعض الفجوات فيما بينها، والتي يتم سدها في الغالب باستخدام المواد العضوية. (الصورة: © آنكه شاراز)

إعداد الخشب

تُربط الألواح ببعضها البعض باستخدام مادة لاصقة من الألياف النباتية، أو الغراء الحيواني، أو ببساطة بواسطة المسامير. وكانت هذه الألواح في بعض الأحيان تُغطَّى بالقماش لإخفاء الوصلات أو لتغطية المسامير، وفي قصر العظم بحماة استُخدم الورق كطريقة لإخفاء المسامير والوصلات. قبل وضع الزخارف، كانت الألواح الخشبية تعالج بإتقان بأدوات ومواد مختلفة وتدهن بدهان الأساس (البرايمر). وعادةً ما كان يتم تجهيز السطح الخشبي بشكل منفصل حسب المتطلبات المختلفة للزخارف والرسومات اللاحقة. وكان شائعاً استخدام خليط من الجبس المطفيّ والغراء الحيواني كدهان أساس. وفي بعض الأحيان، كان يتم عمل دهانات الأساس بلون أزرق فاتح أو برتقالي أو أصفر يحتوي على لون نيلي أو مينيوم (رصاص أحمر) أو رهج أصفر. وفي بعض الحالات، كما في غرفة حلب في برلين، كانت توضع رقائق القصدير مباشرةً على عدد قليل من الألواح باستخدام طبقة راتنجية لزجة، في حين أن الزخارف العجمية قد تم وضعها على بعض الألواح الخشبية قبل الزخارف القصديرية في بيت الحورانية في دمشق. إلا أنه في وقتنا الحاضر، عادةً ما يتم استبدال الألواح الخشبية بألواح ام دي اف (MDF)؛ لأنها أرخص وأسهل في الاستخدام. (الصورة: © محمد حاج قاب، CC-BY-NC-ND)

النماذج المرسومة مسبقًا للزخرفة العجمية

لزخرفة الألواح الخشبية ودهانها، استخدمت قوالب النسخ كدليل أولي؛ لذلك كانت توضع قطعة ورق مثقّبة بثقوب مصفوفة على السطح الخشبي، ثم يتم ذرّ مسحوق الفحم من كيسٍ نسيجيٍ صغير على القالب. وبهذه الطريقة، تتحول حواف الرسم العجمي إلى أرضيةٍ مدهونةٍ بدهان الأساس. ثم كانت الزخارف الفردية التي لا تتبع النموذج العادي تُرسم بحرية. (الصورة: © زياد بيضون Baydoun Creation, CC-BY-NC-ND)

وضع العجينة النافرة (الريليف) أو النباتة

بعد تصميم الرسم، توضع الزخرفة العجمية بشكل نافر وهنا يلعب التركيب الصحيح للعجينة النافرة (الريليف) (النباتة)دوراً مهمّاً. لابد من استخدام الكمية المناسبة من المياه والغراء والجص ليتحول الخليط اللزج من الجبس غير المخبوز والغراء الحيواني إلى العجينة المطلوبة. في حال كان تركيب العناصر المختلفة غير صحيح قد يتسبب ذلك في هبوط العجينة، تاركاً طبقة مسامية. يستخدم الحرفيون اليوم في الغالب خليطًا من الأكريليك اللاصق، والطباشير، والجبس، وأبيض الزنك. (الصورة: © زياد بيضون Baydoun Creation, CC-BY-NC-ND)

صنع النباتة

إن المزيج المركب لعجينة النباتة أو العجينة النافرة هو سرٌ تمت المحافظة عليه بشكل شديد. كان شيخ الكار (أو المعلم) يخلط المزيج بنفسه، وارتبط سر صنع هذه الخلطة بالكثير من الاشاعات والمعتقدات، مثلاً كإضافة القليل من السكر، وأحياناً الشاي إلى المزيج. بينما يعتقد البعض أن السر يكمن في خلط المواد باليدين المجردتين لاعتقادهم أن جلد الانسان يحوي أنزيماتِ خاصة تسرع التفاعلات الكيميائية للألوان، وتزيد من جودتها. إنها فرضية لم يتم تأكيدها علمياً قط، لكنها مع ذلك تضيف هالة من الغموض إلى هذه الحرفة. (الصورة: © زياد بيضون Baydoun Creation, CC-BY-NC-ND)

وضع الرقائق المعدنية

بعد تجفيف طبقات العجينة النافرة (الريليف)، توضع الرقائق المعدنية (وهي في الغالب رقائق من الذهب أو القصدير) على مناطق معينة أو على السطح بأكمله باستخدام المواد اللاصقة. ومنذ القرن الثامن عشر فصاعدًا، ازداد استخدام رقائق سبائك النحاس، كما اعتمد اختيار المادة اللاصقة على نوع المادة التي كانت توضع على المعجون الأساسي، فعلى سبيل المثال، كانت الزخارف النافرة الأساسية تُرطّب لوضع رقائق الذهب. واليوم، عادةً ما تستبدل الرقاقة بالدهان البرونزي. (الصورة: © آنكه شاراز)

تلوين الزخارف

في الخطوة التالية، كانت المناطق المختلفة من الطبقة المعدنية تُلمع وتُدهن بدهان زجاجي ملون. كان يتم البدء بالأسطح الكبيرة ثم يتم الانتقال إلى الزخارف الأصغر. وعادةً ما كان الدهان الزجاجي يُصنع من الراتنج الطبيعي الملون. ليس ذلك لتحسين المظهر فحسب، ولكنه يوفر كذلك الحماية من التآكل لبعض الأسطح مثل النحاس. يمكن التعرف بسهولة على المناطق غير المدهونة بالدهان الزجاجي اليوم من خلال التغير الحاصل في لون المعدن. واليوم تستخدم الألوان الحديثة لدهان الأسطح.. (الصورة: © آنكه شاراز)

الدهان بين أسطح العجينة النافرة

كانت المناطق غير المدهونة بالعجينة النافرة تُدهن بكثافة. تمثلت أشهر الزخارف في الورود والأشكال الهندسية المتكررة وكذلك باقات الزهور وأوعية الفاكهة. وكانت الأصباغ المستخدمة هي البيضاء الرصاصية، والصفراء، والقرمزية، والزرقاء السماوية، والسوداء بلون الفحم، وكذلك الأصباغ العضوية مثل القرمزية، والنيلية، والحمراء القرمزية، والصبارية، إلا أنه لم يتم توثيق طريقة صناعة المواد اللاصقة والألوان. فضاع جزءٌ مهمٌ من المعلومات الخاصة بالدهان في القرنَين السابع عشر والثامن عشر. تم التمكن من تحديد مكونات الألوان فيما بعدُ فقط من خلال التحليل العلمي. (© Staatliche Kunstsammlungen Dresden, المتحف الاثنولوجي في درسدن, الصورة: آنكه شاراز)

اللمسة النهائية

بعد ذلك يتمّ تحديد حواف الزخارف الغنية باللون الأسود أو بألوانٍ أخرى وتُظلَّل الزهور الفردية. يُعَدّ تحديد حواف الزخارف المختلفة وتظليلها أمراً مهمّاً لتوضيح شكل سطحها وحالته. ونتيجةً لذلك، لا يُظهر العجمي كصورةً فحسب، بل إنه يضيف لها بعداً مكانياً. (© Staatliche Kunstsammlungen Dresden, المتحف الأثنولوجي في درسدن, الصورة: آنكه شاراز)

العجمي ككائن حي

يجب اعتبار عمل العجمي كأنه كائنٌ حي، فالخشب والألوان تتفاعل بشكل مستمر مع البيئة التي توجد فيها. ولطالما كانت المعرفة والتناسق بين العناصر الفردية وتلك الخاضعة لقوانين الطبيعة عاملاً مؤثراً في نوعية العمل المنتج، لاسيما في الأعمال التاريخية. فعلى سبيل المثال يعتمد المزيج الصحيح للخلطة اللونية على فصل السنة ونسبة الرطوبة في المكان الذي تصنع به. الخشب كذلك، هو مادةٌ حيةٌ تتعرض للتشقق والتمدد تبعاً للظروف المناخية المتعرضة لها. استخدام المواد الحديثة كألواح الام دي اف (MDF) بسطوحها الملساء ساعد على جعل ممارسة الحرفة أسهل، إلا أن الكثير من المعارف والجوانب الأصلية المتعلقة بممارسة الحرفة قد أصبح طي النسيان خلال قرون من الزمن. (الصورة: © شتيفان فيبر)


لا تقتصر زيادة الوعي بأهمية حماية الحرف اليدوية التقليدية على تعزيز ممارسة الحرفة نفسها، ولكنها تقتضي أيضًا العمل المشترك مع التخصصات المختلفة المتعلقة بحماية التراث المادي مثل مجال الترميم. وعلاوةً على ذلك، هناك حاجة إلى إجراء بحثٍ شاملٍ قادرٍ على كشف النقاب عن الآثار التاريخية للحرفة لفهم تطورها عبر الزمن وتفسيرها بشكل أفضل في وقتنا الحاضر. كرّست آنكه شاراز حياتها المهنية للحفاظ على، والبحث في أعمال الزخرفة الخشبية الداخلية المزخرفة المتعددة الألوان. وبفضل بحثها الشامل، ضمن مصادر أخرى،أصبح بالإمكان فهم الطبقات ومراحل العمل المختلفة لإنتاج الألواح المزخرفة متعددة الألوان تاريخياً. ضمن مقالتها "أسرار كبار المعلمين القدامى" تقوم آنكه شاراز بكشف بعض من هذه المعرفة التي تم فقدانها عبر الزمن.


اقرأ المزيد من المقالات والمقابلات في سلسلة "العجمي":

التعليق هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.