بقلم هدى قساطلي

لم تقتصر الأضرار الجسيمة التي سبّبتها الحرب في سوريا على تدمير بعض المدن القديمة والمواقع الأثرية فحسب، بل ألحقت الأذى أيضًا ببعض الأنماط المعمارية التقليدية القديمة، بما في ذلك النمط التقليدي العريق الذي يعود إلى آلاف السنين، والذي تجسّد في بناء البيوت الطينية المقبّبة، تلك البيوت التي تميّزت بنمطها المستدام، وجذبت بجمالها وتطوّرها كثيرًا من الرحّالة والزائرين منذ أكثر من مئتي عام.

انتشرت المنازل الطينية المقبّبة في منطقة واسعة من سوريا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. ويمكن تتبّع تلك المباني بدءًا من شرق حمص حتى جنوب حلب، حيث تنتشر على ضفاف بحيرة الجبّول. كما توجد في مناطق أخرى، كالضفاف الشرقية لنهر الفرات، وتمتدّ شمالًا حتى منطقة حرّان التركية. ونجدها أيضًا على حوافّ البادية السورية، كما هو الحال في قرية الشيخ هلال، الواقعة شرقي مدينة السَّلَمية، حيث يعيش المزارعون والبدْوُ المستقرّون الذين يعتمدون على الزراعة البعلية. لكن منذ حوالي خمسين عاماً، بدأ كثيرٌ من السكان بمغادرة قراهم ليستقرّوا في مناطق توفّر لهم دخلاً أَوْفَر، وظروفاً معيشية أفضل، وكان لهذه الهجرة تأثيرٌ سلبيٌّ على هذا النمط من البيوت التي أُهملت وتحوّلت بعدئذ إلى مجرّد أطلال بعد أن كانت بحاجة إلى صيانة دوريّة. ومع ذلك فإن بعض البيوت الطينية المقببّة ما يزال قائماً ومأهولاً بأصحابه الذين فضّلوا البقاء في قُراهم.

قرية مهجورة جنوب حلب – © هدى قساطلي (CC-BY-NC-ND)

في أثناء رحلتي إلى المناطق الريفية في جنوب حلب، في آذار/مارس عام 2018، رأيتُ منازلَ طينية مدمّرة في قرىً مهجورة عانت صراعاً استمرّ ثماني سنوات. وقد استوجب هذا الواقع المرير استراتيجية ملحّة، تسهم في حماية هذا النمط من المساكن لأنه إرث معماري يميّز تلك القرى، وكان هذا عاملاً بارزاً شجّعني على تشكيل ورشة بناء مهمّتها إنشاء بيت مقبّب، وذلك لتحقيق هدفين:

  •     الأول: الحفاظ على معرفة تقنيّات هذا الطراز من المساكن ومهاراته.
  •     الثاني: إثبات أن البيوت السكنية المقبّبة قادرة على التكيّف مع متطلّبات العصر.

ولأسباب أمنية واضحة، كان عليّ أن أُنشئ هذا البيت الطينيّ خارج سوريا، وبالفعل أنشأتُه في لبنان، وبالتحديد في مركز جمعية قوس قزح (Arcenciel) في تعنايل في محافظة البقاع.

واللافت أن الصعوبة في تحقيق هذا المشروع تكمن في العثور على بنّاء خبير، لاسيما أن العدد القليل من البيوت التقليدية المقبّبة الباقية قد مضى على بنائها أكثر من خمسين سنة. لهذا، وقبل الشروع في عملية البناء، أجريتُ عدداً من المقابلات والتحقيقات الضرورية. توجّهتُ إلى مخيمات اللاجئين السوريين في لبنان، حيث يتجمّع سكانها في خيام، ويفُرَزون بحسب أصولهم العائلية والمناطقية. يعدّ هذا المكان أرضاً خصبة لهذا العمل الاستقصائي ولتلك الأبحاث المطلوبة من أجل تشكيل فريق من العمال. تألّف فريق العمل من أشخاص كانوا على معرفة بتقنيات هذا النمط من العمران. وعلى الأرجح، فإن المشروع سيُؤتي ثماره بوجود هؤلاء العمال الذين يتّبعون أساليب البناء التقليدية الأصيلة.

الهيكل العام للبيت المقبب في تعنايل قبل نهاية عملية البناء – © هدى قساطلي (CC-BY-NC-ND)

في نهاية شهر تشرين الأول/أكتوبر من عام 2018، وبتمويل من صندوق الحماية الثقافي التابع للمجلس الثقافي البريطاني، قام هؤلاء البنّاؤون السوريون بتشييد بيت تعلوه قُبتان. ولا يمكن لعملية البناء هذه أن تتمّ لولا تعاون أحد علماء الإثنولوجيا، ومهندسَيْن معماريَيْن، وبَنّاء، وعشرة عمال. وحالياً يتمّ إعداد دليل للبِناء، وسيُنشر على موقع جمعية قوس قزح الإلكتروني، بُغية مساعدة الأشخاص الذين يرغبون في إعادة التجربة.

البيت المقبب في تعنايل: مرحلة بناء القبة – © هدى قساطلي (CC-BY-NC-ND)


ومع نجاح هذه التجربة، التي تعدّ نموذجاً في إعادة إحياء العمارة التقليدية، إلّا أن تعميمها مستقبلاً في قرى البيوت المقبّبة في سوريا سيواجه تحدّيات كثيرة،

فما من شكّ أن سكّان هذه القرى سيواجهون عدداً من المشاكل في حال عودتهم إلى وطنهم الأمّ سوريا، فقد تكون مسألة العودة لا رجعة فيها بالنسبة إلى بعض السكان، بسبب عدم السماح لهم بالدخول إلى لبنان من جديد. و إنْ عاد بعض أفراد العائلة الواحدة (في حال تمّ التوصّل إلى حلّ سياسي يضمن للسوريين المعارضين للنظام عودة آمنة إلى قُراهم، وإذا نُزع السلاح أيضًا في تلك المناطق) يُخشى على العمارة الطينية التقليدية من أن يتمّ تجاهلها تماماً، وذلك لأسباب عديدة، منها: انقطاع توارث تقنيات المهنة من جيل البنّائين المحترفين إلى جيل المتدرّبين الجدد، وما يزيد الأمر تعقيداً أنْ جيل الشباب ينشأ حالياً في مساكن مختلفة وبعيدة تماماً عن البيوت ذات القباب، ما يمنعهم من اكتساب الخبرة والمعرفة المعمارية التقليدية التي تخصّ البيوت المقبّبة.

وفي مقابل ذلك، ومع صعوبة التنبؤ بالأحداث المستقبلية، فمن المرجّح أن يجري إعادة اللاجئين إلى قراهم في ظروف صعبة جداً بل شديدة القسوة، حينها سيضطرون إلى تأمين أيَّ مأوىً للإقامة، وفي واقع الأمر لن يتمكّنوا من استخدام موادّ البناء الصناعية المكلفة جدّاً، وبالتالي لا خيار أمامهم إلّا الخضوع للمواد المحلية المتاحة في البناء، ألا وهي الطين. وهكذا تبرز الحاجة إلى بيوت الطين كضرورة. وفي حال أضاف إليها البنّاؤون مرافق واستخدامات تلبّي احتياجات الحياة العصرية، عندها تغدو استمراريتها ممكنة ومضمونة.

تأليف/ نشر هدى قساطلي

باجثة في علوم الإنسانيات، موثقة فوتوغرافية ومجازة في الفلسفة من لبنان

Join the Conversation

1 تعليق

  1. مع خالص احترامي وإعجابي و تقديري
    ذكّرتموني بكتاب “عمارة الفقراء” لشيخ العمارةالتراثيّة حسن فتحي
    الدّكتور عبد الرّحيم غالب، باحث في التّراث و فنّان تشكيلي، من طرابلس، لبنان، صاحب “موسوعة العمارة الإسلاميّة”.

التعليق هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

X