1. أصوات من الموسيقى السورية
  2. التنوع الثقافي في سوريا
  3. الموسيقى الدينية
  4. الموسيقى والمجتمع في سوريا
  5. موسيقى الجاز في سوريا
  6. الموسيقى الشعبية
  7. صوت دير الزور

بقلم البروفيسور حسان عباس

شكلت منطقة شرق المتوسط عبر التاريخ بوتقة تمازجت فيها الأقوام والإتنيات المختلفة. بعض هذه الأقوام يعود وجوده إلى زمنٍ طويلٍ جداً لا يمكن تحديده وبعضها الآخر وفد إليها في هجرات واسعة هرباً من أوضاع مأساوية عاشها في مواطنه الأصلية. بعض هذه الأقوام اندثر واندثرت معه ثقافته وبعضها الآخر استقر في المنطقة وحافظ على ثقافاته وتقاليده.

‎تتعايش في سوريا اليوم عدة تقاليد موسيقية مختلفة المنابع، أهمها وأكثرها حضوراً: العربية والكردية والأزيدية والشركسية والأرمنية.

الموسيقى والمجتمع في سوريا

الموسيقى العربية

بدأت الموسيقى والغناء العربي التقليديين باتخاذ الشكل الذي نعرفه اليوم في العصر الأموي (661-750). فعندما انتقلت الخلافة إلى الأمويين عام ٦٦١ م، شرعوا بتشييد القصور في عاصمة الخلافة دمشق، وانتقل الغناء إلى هذه القصور، وظهرت أولى الكتابات في الموسيقى “كتاب النغم” الذي وضعه “يونس الكاتب”.

الموسيقى والمجتمع في سوريا
غلاف كتاب “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني، نسخة الهيئة ، المصدر: Culturegate المصرية العامة للكتاب

ازدهرت الموسيقى العربية في العصر العباسي وظهرت مؤلفات تهتم بالموسيقى ككتاب “الأغاني” لأبي فرج الأصفهاني. وحدثت نقلة نوعية على يد الموسيقي “زرياب” (787م-852م) الذي انتقل إلى الأندلس وأسس أول مدرسة في الغناء والموسيقى أثّرت على الغرب والشرق، كما كانت ولادة فن جديد هو “الموشحات”.

أصبحت مدينة حلب في عصر الحمدانيين من أهم مراكز الثقافة العربية. في بلاط أميرها سيف الدولة الحمداني (944-967) اجتمع الشاعر أبو الطيب المتنبي، والموسيقي الفيلسوف أبو نصر الفارابي الذي كتب دراسات عن طبيعة الأصوات وتوافقها، وأنواع الأنغام والأوزان والإيقاعات والآلات الموسيقية، والسلم الموسيقي. وإليه ينسب اختراع آلة القانون.

 في الفترة العثمانية تكرست قوالب آلية مثل البشرف والسماعي، وأخرى غنائية مثل الأدوار. وقد تأثرت بلاد الشام بالمولوية التي ابتدعها “مولانا جلال الدين الرومي” (1207 – 1273) في “قونية”.

في القرن التاسع عشر، وحتى نهاية الربع الأول من القرن العشرين، نشط التأليف الغنائي بشكل كبير، وازدهر قالب الموشح بشقيه الديني والدنيوي. وظهر مسرح غنائي على يد الفنان السوري “أحمد أبو خليل القباني” الذي دفعه مجتمع دمشق المحافظ إلى الرحيل إلى مصر.

شهدت المدن السورية الكبرى دمشق وحلب وحمص واللاذقية، في بدايات القرن العشرين، حركة موسيقية نشطة بفضل الأندية الموسيقية، إذ استطاعت هذه الأندية تحقيق وجودها على الرغم من الصعوبات التي واجهتها بسبب عوامل مختلفة يأتي في مقدمتها المعتقدات الدينية والاجتماعية. وكان جل أعضاء هذه الأندية من المثقفين الرجال، وهذا ما يعكس واقع تأخر حضور المرأة في الفضاء العام آنذاك، وخاصة في حقل الفنون. أما في الفضاء الخاص الذي يتم في إطاره إنتاج الثقافة التقليدية ونقلها بين جيل وآخر فقد كانت المرأة حاضرة بقوّة، وخاصة في تعليم الموسيقى التقليدية وفي إحياء الحفلات الخاصة للنساء. ومن مظاهر الموسيقى التقليدية التي برعت بها المرأة فرق “الخوجات” في حلب.

أول ظهور لمصطلح “موسيقى عربية” كان من خلال كتاب البارون ديرلانجي الذي ساهم في التحضير للمؤتمر الأول للموسيقى العربية في القاهرة (1932) والذي سماه: “الموسيقى العربية”. لكننا اليوم نستخدم المصطلح بشكل طبيعي، وخاصة للتمييز بين الموسيقى العربية والموسيقى العثمانية التي تشترك معها في كثير من النقاط.

الموسيقى والمجتمع في سوريا

معلومة تاريخية

يمكنكم قراءة المزيد عن اختيار القاهرة لعقد المؤتمر عام 1932 والمحاولات الأولية لتوثيق ووضع نظرية الموسيقى في هذا المقال (بالانكليزية)

تظهر الموسيقى العربية التقليدية في قوالب غنائية وأخرى موسيقية:

| أهم القوالب الغنائية:

القصيدة

تقليدياً، كان المغني يؤدي القصيدة من دون مرافقة آلية، ثم تطور الجانب اللحني الارتجالي في القصيدة حتى صار الجزء الأهم من القصيدة في الزمن الحاضر.

الليالي

هي مقطع غناء منفرد مرتجل على الكلمات: “يا ليل يا عين” مكررة أكثر من مرة.

الموّال

هو نوع من الغناء المرتجل الموزون أو غير الموزون، مبني على قالب من الشعر الشعبي، وقائم على الارتجال الخفيف الذي يأخذ مكاناً مهماً في المناسبات الاجتماعية والحفلات.

الموسيقى والمجتمع في سوريا

شاركوا معنا

هل ترغبون باقتراح فيديو من اليوتيوب لاضافته كمثال عن الموّال؟ تواصلوا معنا هنا.

التوشيح

أكثر أنواع الغناء الموزون انتشاراً في الغناء العربي الكلاسيكي الديني والدنيوي في سوريا. هناك موشحات بالزجل العامي، وأخرى من الشعر العربي الفصيح العمودي بأوزانه وتشطيراته المختلفة. كما أن هناك تقسيمات لأنواع الموشحات حسب تعدد إيقاعاتها وأزمنتها.

الدَور

هو قالب غنائي من أصل مصري شعبي، يؤديه مغنٍ رئيسي ويشاركه الكورس (المرددون) في بعض أقسامه. يترافق الغناء مع عزفٍ آلي، لكن يبقى دور الآلات ثانوياً.

القدود

هي مؤلفات غنائية تُنشأ على ألحان دينية أو دنيوية، بمعنى أنها تُبنى على قد، أي على قدْر أغنية شائعة، حتى تستفيد من شيوع هذه الألحان لتحقق حضورها، ومن هنا جاء اسم القد.

| أهم القوالب الموسيقية الآلية:‎‎‎‎

التقسيم

ارتجال لا وجود لأي ناظم له سوى المزاج العام للمقام الذي يختاره العازف. يمكن أن يقوم بالتقسيم أي عازف من أعضاء الفرقة ولا سيما عازف العود.

الدولاب

مدخل آلي بسيط، نوعٌ من اللازمة التي تسبق القطع الغنائية. يتألف الدولاب عادة من جملة لحنية قصيرة غالباً، تكرر مرتين، ثم تتبعها جملة أخرى بشخصية مختلفة ويتكرر الكلُّ مرتين أو ثلاث مرات.

الموسيقى والمجتمع في سوريا

شاركوا معنا

هل ترغبون باقتراح فيديو من اليوتيوب لاضافته كمثال عن الدولاب؟ تواصلوا معنا هنا.

البشرف

قالب موسيقي آلي تأتي تسميته من أصل فارسي: “بشرو”، وتعني: إلى الأمام. من هنا نفهم أنه مقدمة غالباً ما تبدأ الوصلات الغنائية به.

السماعي

قالب موسيقي له نفس وظيفة البشرف في برنامج الحفلات لكنه أقصر وأبسط. لذلك يمكن أن يؤدى بعد البشرف أو لوحده قبل وصلةٍ، أو في وسطها، لتهيئة المزاج والمقام لما سيأتي بعده.

التحميلة

يتركب قالب التحميلة من مقطعين، من مقياس إيقاعي صغير بحركة معتدلة ومنتظمة. المقطع الأول يمثل الكودة ويعزفه أعضاء الفرقة بتكرار غير محدد وبشكل موحد. أما المقطع الثاني فهو جواب على المقطع الأول بزمن مساوٍ لزمنه يرتجله أحد عازفي الفرقة.

الموسيقى والمجتمع في سوريا

الموسيقى الكردية

عاش الكرد طوال العهد العثماني، حياة مستقرة وشبه مستقلة على أرضهم التاريخية كردستان في ظل حكم ذاتي محلي يديره أمراء كرد يتم تعيينهم من قبل السلطان العثماني. لكن، بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية واقتسام المنطقة تشتت الشعب الكردي على أراضي أربع دول هي إيران وتركيا والعراق وسوريا، ولا يزال بلا دولة مستقلة. وفي ظل منع السلطات السورية لوجود مؤسسات تعليمية تدرّس الثقافة واللغة الكرديتين لعبت الموسيقى التقليدية دورا هاما في الحفاظ على الهوية الثقافية الكردية في ظل المعاناة التي عاشها الكرد في بلاد التشتت. وتنعكس هذه المعاناة في المقام الموسيقي المسمّى باسم مقام الكرد.

 تُستخدم لعزف الموسيقى الكردية آلات خاصة مثل آلة (الكمنجه Kemançe)، المرتبطة بغناء الملاحم الشعبية والأساطير، وهي تتكون من أربعة أوتار وصندوق عليه قطعة من الجلد. وهناك آلات وترية أخرى مثل السَّنتورSentûr:، الطَّنبور Tenbûr ؛ وآلات نفخية: النّاي Pîk ، الزُّرْنا Zorne ، البُلُور Bolûr ، المزمار Cûzele ؛ وآلات إيقاعية: الدّف Defik، الطبل  Dahol.

وقد اشتهر عدد كبير من الموسيقيين والمغنين الكرد في أماكن توزّع الشعب الكردي في سوريا، مثل: كره بيت خاجو (1907-2005)، والمغني الأرمني الأصل آرام ديكران، أو تيغران، (1934-2009)، والفنانان الكرديان محمد شيخو (1948-1989) وسعيد يوسف، المولود عام 1947، في منطقة الجزيرة؛ عازف الطنبور أديك في عفرين؛ باقي خضر، الشاعر والمغني مشوبك أبور، وعازف الكمان، الموسيقي محمد دومان، والملحن رشيد صوفي في كوباني.

الموسيقى والمجتمع في سوريا

الموسيقى الإيزيدية

Song about a Yazidi hero Derweshe Evdi, sung by Eda Mado

يشكل الإيزيديون جماعة صغيرة في سوريا. وهم الشعب الوحيد في منطقة الشرق الأوسط الذي يقدّس الموسيقى والآلات الموسيقية، وخاصة الطنبور. تقول الأسطورة إنه عندما كلف الله الملائكة وعلى رأسهم (طاووس ملك) بتحويل الأرض المغمورة بالمياه إلى يابسة، أرادوا أن ينصبوا لنفسهم خيمة في مكان ما (هو الذي أصبح الموقع المقدس: “لالش”)، غير أنهم لم يجدوا أوتاداً لشد حبالهم بها، فأخرج العازف النوراني الخارق (قاضي شلو) طنبوره، وبدأ يعزف معزوفته المتوارثة إلى يومنا هذا، فمدت الأسماك رؤوسها وتحولت إلى أوتاد ربط الملائكة حبال خيمتهم بها، واستقروا هناك، وبدؤوا بالتكوين بأمر من الله. هذه الحكاية جعلت من الطنبور آلة مقدسة عند الإيزيديين.

وللطقوس والشعائر الدينية أيضاً، علاقة خاصة بالموسيقى لدى الإيزيديين فلا يمكن لهذه الشعائر أن تتم إلا بمصاحبة جماعة خاصة من الموسيقيين يطلق عليهم اسم: القوّالون، ولهم نظام تراتبي إنشادي مكوّن من ثلاث مراتب. وهم المسؤولون عن إحياء المناسبات الدينية التي يقومون خلالها بإنشاد التراتيل المحفوظة أباً عن جد، كما يتم لديهم حفظ الآلتين الموسيقيتين المقدستين الأخريين (الدفّ والشبّاب).

يشارك القوالون بغنائهم وبعزفهم الشعائر الإيزيدية الاجتماعية، مثل دفن الموتى وإحياء ذكراهم، والدينية، حيث تجري عملية التبرّك بالآلات الموسيقية المقدسة من خلال لمسها باليد ثم لثمها. وغالبا ما تتضمن الأعياد قراءة ملاحم إيزيدية بلغة كردية تتغنى ببطل يدعى “درويش عبدي” وتستمر الأعياد الدينية ساعات طويلة تنتهي بحفلات راقصة جماعية لا تقتصر على أتباع الطائفة، يحييها عازفون، من غير القوالين، يستخدمون الآلات المعروفة في المنطقة مثل الزرنة والمجوز والآلات الإيقاعية وخاصة الطبل.

الموسيقى والمجتمع في سوريا

الموسيقى الشركسية

يعود الشراكسة في أصولهم إلى منطقة شمال غرب القوقاز. في عام 1864، وتحديدا يوم 21 أيار، انتهت حرب القوقاز بين  أهل القوقاز والجيوش القيصرية الروسية، وانهزم الشراكسة، وألزموا بترك أراضيهم، وتم تهجير قسم منهم إلى مناطق سيطرة السلطة العثمانية قبل أن يقوم العثمانيون بتوزيعهم في الأراضي التي يسيطرون عليها حسب حاجاتهم العسكرية والاقتصادية. وفي هذا السياق وصل الشراكسة إلى سوريا حيث أُوكِلت لهم مهمة التصدي لغزوات القبائل العربية على طرق سير القوافل على امتداد نهر الفرات، أو حماية طرق المواصلات بين حوران وجبل الشيخ ولبنان. كما استفيد منهم كيدٍ عاملة مجانية في مشروع تمديد سكة حديد الحجاز وحمايتها.

والشراكسة السوريين شديدو التعلق بثقافتهم القومية لذلك بقيت هذه الثقافة حية لديهم رغم اندماجهم في المجتمعات المضيفة حتى غدوا جزءاً أصلياً من نسيجها الديموغرافي. وتشكل الموسيقى، إلى جانب الرقص، عنصرين أصيلين في الثقافة الشركسية ينتقلان من جيل إلى آخر.  

تُستخدم في الموسيقى التقليدية الشركسية آلات خاصة مثل: بشينا  Pshina (الأكورديون الشركسي) وهو الآلة الموسيقية الشركسية بامتياز. وهناك الآلات الوترية: آبا-بشين Apa-Pshina، شيكابشينا Shchepshine، والإيقاعية: بارابان Baraban (طبل متوسط الحجم)، بخشتيش Pkhachich، بخيتاو  Pkhetaw، والنفخية: كاملابش  Qamlapsh.

أما الرقص الشركسي التقليدي فيعتبر جزءأ أصيلاً من الثقافة الشركسية. ويعتبر بعض الشراكسة أن الرقص قد أصبح مدونة التاريخ الشركسي بعد أن فقدوا مدوناتهم المكتوبة نتيجةً الحروب وسياسة التهجير التي تعرضوا لها في القرن التاسع عشر. ومن الرقصات التي لا تزال تُمارس حتى اليوم في المجتمعات الشركسية رقصة قافا Kafe الأرستقراطية، رقصة بسلاميه Islamey الحماسية، رقصة وٍج Wedge : الجماعية.

الموسيقى والمجتمع في سوريا

الموسيقى الأرمنية

حافظ الأرمن المتجذرون في سوريا، أي المقيمون في شمال غرب البلاد وخاصة في منطقة كسب، على بعض الأناشيد والأغاني الموروثة والمتناقلة شفاهة عبر الأجيال، كما نقل الأرمن المهاجرون بعضاً من تراثهم الموسيقي معهم. ومن بداية استقرارهم في سوريا، حرص الأرمن على الحفاظ على موسيقاهم التقليدية فأنشؤوا لذلك العديد من الجمعيات الثقافية التي تؤمّن تعليم ثقافتهم للأجيال الجديدة.

يستخدم الأرمن في موسيقاهم التقليدية آلات شبيهة بالآلات العربية والتركية والكردية، مثل العود والكمنجة، والقانون، والتار، والدف، والزورنة، إضافة إلى بعض الآلات التقليدية المميزة، مثل الدودوك التي تعتبر الآلة الموسيقية الأرمنية بامتياز، وهي آلة نفخية تشبه الناي. يعود الشكل الأول منها إلى أكثر من 3000 سنة. وهي تصنع من خشب “المشمش الأرمني”، وهذا ما يسبغ عليها في اللغة الأرمنية اسم “البوق المشمشي”.

أكمل القراءة مع الموسيقى الشعبية

الصورة الرئيسية: © هانيبال سعد


البروفيسور حسان عباس عمل مديراً لبرنامج “الثقافة كمقاومة” في معهد الأصفري للمجتمع المدني والمواطنة ، الجامعة الأمريكية في بيروت. وهو باحث رائد وخبير في الثقافة السورية ، والموسيقى التقليدية السورية على وجه الخصوص. في كتابه “الموسيقى التقليدية في سوريا” ، استخلص الدكتور حسن عباس معرفته لسنواتٍ من البحث المكثف حول التراث الموسيقي في سوريا. كتابه متوفر هنا باللغة العربية.

بعد صراع طويل مع المرض، رحل البروفيسور حسان عباس عن هذا العالم في آذار 2021. إن فريق عمل مشروع خارطة التراث السوري التفاعلية سيبقى دائم الامتنان للفرصة المميزة بالنهل من العقل المبدع للدكتور عباس التي أتاحها لنا العمل معه لإنتاج هذه المقالات.

التعليق هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.