هذا المنشور موجود أيضاً باللغة: English (الإنجليزية) Deutsch (الألمانية)

 كثيرة هي القصص التي وَجدت بداياتِها في دمشق، وامتدّ أثرها ليشمل العالم كله. إحداها وقعت في بيت حنانيا، تلميذ السيد المسيح، الذي عمّد واحداً من أكبر مضطهدي المسيحيين الأوائل. إنه شاؤول (2- 64 م)، الذي سُمي بعد رؤياه الشهيرة ( بولس الرسول )، وقام بإيصال رسالة الدين الجديد إلى روما، قبل أن يفقد حياته هناك في سبيل ذلك.

   الوصول إلى بيت حنانيا في قلب دمشق التاريخي، يقود الباحث عنه إلى أماكن وطرق متعددة، تعبق بتاريخ المدينة وأخبارها. فأحداث الرواية، وفق سفر أعمال الرسل في الإنجيل، تبدأ في تلّ كوكب (حوالي 15 كم جنوب دمشق) الواقع على الطريق التاريخية بين مدينة دمشق وفلسطين. في هذه البقعة وقعت حادثة الرؤيا لشاؤول، الذي جاء إلى دمشق بنية القبض على المزيد من المسيحيين وزجّهم في السجون بأمر من رئيس الكهنة، قبل أن يفقد بصره ويبحث عن الخلاص في بيت حنانيا الذي عُمِّدَ فيه. وفق الرواية ذاتها، وصل شاؤول إلى البيت بعد عبوره الباب الشرقي، أو باب الشمس كما كان يطلق عليه في العهد الهيليني والروماني. يَدلفُ الباحث عن بيت حنانيا إلى حارة حنانيا التاريخية، حيث تكاد جدران البيوت الدمشقية تتلاصق، ليجد ضالته في نهايتها.

   يُعدّ بيت حنانيا أو الكنيسة المصلبة إحدى أقدم كنائس العالم وثاني أقدم كنائس دمشق، والتي بنيت، بحسب ما ذكر حبيب الزيات في كتابه الخزانة الشرقية، في مكان معبد وثنيّ قديم وجُدّد بناؤها في زمن الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك.

يتألف مدخل الكنيسة الخارجي من باحة صغيرة ينتصب على جانبيها تمثالان، أحدهما يمثل حادثة تعميد حنانيا لشاؤول، ويجسد الآخر حنانيا واقفاً بيدين مشرعتين إلى السماء.

درج كنيسة حنانيا في حي باب توما

   في الزاوية الشمالية الشرقية باب ضيق، بعد دخوله يجد الزائر سُلّماً ذا  درجات حجرية صغيرة، يضطر المرء عند نزولها لخفض قامته، لتنقله هذه الدرجات خمسة أمتار في عمق المكان، وتعود به إلى ألفي عام من عمر الزمان. هناك تحت الأرض، تتألف الكنيسة التي هي  ـ في الأصل ـ كهف طبيعي من قاعتين، الأولى متطاولة شمالاً وجنوباً، وهي الكبرى ممثلة الكنيسة. والأخرى صغيرة تقع في الزاوية الشمالية الغربية من القاعة الكبرى. أما الأرضية، فهي مبلطة بالبلاط المجزع الكبير بفواصل سوداء.

حنية الهيكل في كنيسة حنانيا في حي باب توما

   في صدر الكنيسة الحجرية ذات النور الخافت، يجد المرء ثلاث لوحات تروي أولاها حادثة أخذ بصر شاؤول، أما الثانية فتصور حنانيا واضعاً يده على شاؤول ليعيد له البصر، في حين تقصّ الثالثة واقعة نزول بولس في سلة من على سور دمشق هرباً من الموت بعد الوشاية به. تصطف على جانبي الحجرة مقاعد خشبية بشكل متوازٍ. تثير أجواء القاعة ولوحاتها فضول الزائر وتحرك في نفسه أسئلة عن تفاصيل قصة بولس وأسفاره، ما تلبث هذه الأسئلة أن تجد الجواب عنها في اللوحات المعلقة على جدران حجرة جانبية. تروي هذه اللوحات قصة بولس الدينية، ورحلاته الأربعة بين عامي 46 و 62 م، التي أخذته إلى القدس وأنطاكية، بالإضافة إلى قبرص وبلاد اليونان وكريت، ليصل بعدها إلى روما حيث ينهي مسيرته التبشيرية على يد سياف نيرون.

ويفترض ـ بحسب الباحث حبيب سلوم ـ أن تكون الكنيسة الحالية هي قبو بيت حنانيا، إلا أنه من المرجح أيضاً أن تكون بنيت على مستوى الشارع الروماني.

   لِمَن أثارت قصة بولس فضوله، يمكنه أن يتتبع قصته بزيارة كنيسة الرؤيا في تل كوكب، أو أن يزور كنيسة القديس بولس في باب كيسان، حيث يعتقد أن بولس أُنزل من نافذة قريبة منه حين غادر دمشق. وله أيضاً أن يزور كنيسة حنانيا الموجودة في حارة القرشي في محلة الميدان في دمشق، حيث يعتقد بوجود زيت عجيب يُقطر من إحدى زوايا المكان، الذي يقال : إنه  قبر حنانيا.

معرض الصور المتعلقة بالمقال: أنقروا على الصور لتكبيرها!

التعليق هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.