نص أدبي يتحدث عن حارة السيسي في حلب، وأبرز التحولات التي طالت بيت وكيل التاريخي

 سمعت من جدي حكايات كثيرة عن مدينتي، رواها له والده “شكري وكيل”. لكنّ جدي كان يسترسل في خبريات عام 1912، ليس لأنه تاريخ ميلاده الذي يعتز به، بل لأنّ بيت العائلة فقد جزءا عزيزا من تاريخه الذي يعود إلى القرن السادس عشر عندما تابع مسيحيو المدينة بناء بيوتهم خارج الأسوار. كان جدي أشبه بموسوعة شفوية، شأنه شأن الكثيرين من أبناء جيله الذين تشرّبوا معارفهم من مدارس طوائفهم. فمنه عرفت تاريخ حارتنا، “حارة السّيسي” المتفرّعة من “شارع التلل”، والتي تعود تسميتها نسبة لمدينة “سيس” العاصمة القديمة لمملكة كيليكيا الأرمنية. ومنه أيضا اكتشفت جماليات الهندسة المعمارية الإسلامية لبيوتها القديمة، وأسماء من سكنها أبّا عن جد. وكعادته، يعيد الحكاية أكثر من مرة، لكن بقيت حكاياته عن تلك الصداقة الوطيدة مع “عائلة دلاّل” مطبوعة بذاكرتي وذاكرة كل أحفاده، لسببين أولهما أنّ عائلتهم قدّمت في أواخر القرن التاسع عشر أحد أبنائها شهيدا ضد استبداد السلطنة العثمانية، فابنهم جبرائيل الذي كان مولعا بالأدب والسياسة، استوحى قصيدة ثورية لفولتير هزت عرش السلطنة وهيكلها، فسجنته وقتلته. وثانيهما أن بيتهم صار في ما بعد مدرسة ابتدائية شهيرة، عُرفت باسم “مدرسة كيليكيا الخاصة”. أمّا عائلتنا فلم تقدّم أيّ شهيد وكانت منهمكة بتجارتها.

فناء في بيت وكيل

ولكن مع مرور الأيام وقرار الأحفاد إقناع آبائهم بمواكبة الحداثة والانتقال إلى الأحياء الجديدة ذات الطوابق العالية والشوارع الفسيحة، صار بيتنا ميتما لطائفة الروم الأرثوذكس ومأوى للمسنين، ثم أمسى بقدرة قادر فندقا ومطعما. وحدث ذلك مع انتشار موضة الاستثمارات السياحية للبيوت القديمة في تسعينيات القرن الماضي. لذلك ارتبط بيت العائلة في ذاكرة الأحفاد بمواقف مفصلية، منها ما سمعناه من جدي قبل رحيله، ومنها ما قرأناه في وثائق المدينة، ومنها ما عاصرناه وشاهدناه. وقد كان أبرز هذه المواقف قرار “جدنا الأكبر شكري” المفاجئ ببيع أعز ما تملكه العائلة وتتباهى به. فمن المعروف قديما أنَّ عادة تلبيس قاعة استقبال الضيوف، وإكسائها من الداخل بالجدران الخشبية المزخرفة كانت دارجة في بيوتات المقتدرين من أهل المدينة، وعلى رأسهم كبار التجار، وأيضاً ممن يُطلق عليهم أبناء الطبقة الوسطى. ولم يقتصر ذلك على العديد من العوائل المسيحية والأرمنية، بل شمل أيضا العديد من العوائل المسلمة. وهكذا راق للحاج عيسى بن بدروس، المالك الأول لبيتنا، أن يستعين في عام 1603 بأمهر الصنّاع والفنانين من الخارج لتزيين جدران قاعة الاستقبال بالزخارف الخشبية الرائعة، وتزويقها بالرسومات ذات الألوان الزاهية. والملفت للانتباه أن تلك القاعة المسكونة بعبق خشب الجوز والصنوبر حافظت على ألقها لسنوات طوال رغم ما مرّ على المدينة من أحداث عاصفة. وقد تنوعت رسوماتها ما بين مشاهد بشرية وحيوانية، وزخارف نباتية تظهر فيها زهور اللوتس والزنبق والقرنفل. وأيضًا كتابات من مزامير داود ومن حكم وأمثال، لكنّ الأهم هو تلك الرسومات المستوحاة من الكتاب المقدّس، وأبرزها مشهد التضحية بإسحق، حيث يقف الأب إبراهيم بكل عنجهيّة، وأطراف عباءته تحت حزام خصره، ويستلّ سكينا مسلطاً على رقبة ابنه إسحق الراكع أمامه بعينين معصوبتين لا تريان شيئًا ويرفرف فوقه بجناحيه ملاك وديع حاملا كبشاً للفداء. من كان يعلم أنّ المدينة ستصير اليوم معصوبة العينين وكبشا للفداء؟

بيت وكيل (غرفة حلب) الكسوة الخشبية مشهد ديني لمريم والمسيح

وما يزال صوت جدي يرن في أذنيّ وهو يتحدّث مطولا عن الجزء العزيز الذي فقده بيت العائلة سنة ولادته (1912) المتزامنة مع الصفقة المالية الضخمة، والتي أبرمتها لحساب أحد متاحف برلين سيدة ألمانية تدعى “مارتا كوخ”، ويحاول تبرير فعلة أبيه بأنّ تاريخ المدينة قاس مثل حجارتها.

أقامت السيدة مارتا فترة طويلة في المدينة حيث كانت تدير مع زوجها وابنتها صالوناً أدبياً راقياً، يقصده كل يوم أغلب القناصل وأغلب الزوّار الأجانب القادمين من أوروبّا، ومن بينهم أدباء ورحّالة وعلماء آثار وتجّار تحف. وفي إحدى زياراتها المتكررة لبيت العائلة أعجبت بالطراز المعماري وتمنّت أن تشتري البيت كله، وأن تطير به إلى برلين، ولمّا كان ذلك مستحيلا اكتفت بشراء الجدران الخشبية لقاعة الاستقبال وبتصوير البحرة، ودرج العلّية، والمشربيات ذات المشابك الخشبية المزخرفة، وصوّرت أيضا الإيوان المرصوفة أرضيته بالرخام، وقمريات قبّة قاعة الاستقبال المغلقة بالزجاج الأرمنازي الملوّن بالأحمر والأصفر والأزرق، كما ساومت على شراء السجاجيد العجمية، ومدفأة الحطب وبعض المشغولات الفضية. وحسب المعلومات فقد تمَّ شحن الجدران الخشبية في أربعة عشر صندوقاً كبيرا إلى ميناء طرابلس ثم إلى هامبورغ، ومن هناك تمَّ شحنها من جديد إلى برلين .

بيت وكيل (الغرفة الحلبية) الجزء الأوسط من الغرفة

في القاعة التي جلس فيها أجدادي وسهروا مع زوّارهم، ثمّة لوحات ما زالت مطبوعة في ذاكرة المدينة وذاكرة سكّانها الذين يتقاتلون اليوم. وأسترجع مرة أخرى خبريات جدي وهو يبتسم ويقول “نحن مدينة قائمة على التسامح، رغم ما مرّ علينا من غزوات ومن فتن، أحببنا أشقاءنا المسلمين وتعايشنا معهم في السرّاء والضرّاء، ونشأت بيننا وبين الجاليات الأوروبية علاقات تجارية وعلاقات مصاهرة وزواج، وتمازج فكري وثقافي”. لم أكن أمتلك الشجاعة لأواجه تبريرات جدي بمسألة البيع، ولم أستوعب مفهومه الكوزموبوليتاني لمدينتي. وعندما كنت أحاول أن أبدي وجهة نظري كان يقاطعني بحدة، ويعود إلى الاسترسال متباهيا أنّ المهندس الألماني “فولنر” الذي كان مديرا لمشروع إنشاء “سكة حديد بغداد” هو من رسم مخطط القاعة وأشرف على فكها ببراعة. ثم يعود مرة أخرى لتبرير فعلة أبيه فيحدثني عن براعة أمه في طبخ أشهى المأكولات للسيدة مارتا ولكل المهندسين والعمّال الذين أمضوا أياما طويلة وهم يعملون على فك الجدران الخشبية وتغليفها. ويختم مستشهداً بإحدى العبارات المكتوبة عليها “يد الله مع يد الكريم”.

حارة السيسي: مدخل جنوبي مع البوابة

وعشيّة انتقالنا إلى خارج “حارة السّيسي”، كان جدي في أيامه الأخيرة يسكن القاعة ولا يغادرها، متربعا في صدرها كوليّ مقدّس لا يكلّم أحدا. سكت عن الكلام وسكن هدير الصمت. وكلما حاولت الدخول عليه، أنا وأخوتي، شعرت بأنني في قاعة جرداء وقد فقدت هيبتها، وكلما استرقت النظر إلى القبّة رأيتها تحدّق بنا بنظرات قاسية وحادة، كأنها ستهبط فوق رؤوسنا، مع أنّ جيل الأحفاد لم يكن مسؤولا عمّا حدث وعمّا يحدث.

ثمّة أشياء عزيزة على قلوبنا قد ضاعت من بين أيدينا. ويبدو أن جميعنا سوف يظلّ يتذكّر بحسرة عندما بدأ الألمان منذ سنوات طوال عرض خشبيات بيت العائلة في قاعة خاصة، في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تحت اسم “القاعة الحلبية”.

عن مقالة نشرت للمرة الأولى في جريدة السفير العربي بتاريخ 31.05.2015 وننشرها هنا مجدداً بموافقة الكاتب، مترجمة إلى لغتين، كمقطع من رواية لم تنشر بعد للكاتب موسى بيطار. الراوي شخصية افتراضية، لا تمت بقرابة للكاتب، ترصد الرواية الأحداث السياسية بكل تأثيراتها الاجتماعية والاقتصادية على مدينة حلب، منذ القرن السابع عشر حتى 2015.

معرض الصور المتعلقة بالمقال: أنقروا على الصور لتكبيرها!

No images found for your category or tag filters!

تأليف/ نشر موسى بيطار

كاتب من سوريا (حماة). حائز على شهادة عليا في الأدب العربي من جامعة حلب، حيث درّس تاريخ الشرق القديم. كما درّس اللغة العربية في المدرسة الفرنسية غي حلب. نشر العديد من المقالات والحوارات في الصحافة السورية واللبنانية.

التعليق هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.