بقلم ديمة ديوب

” لسنا بحاجة للقلق حيال التوافق المثالي مع النماذج القديمة، إنما يتوجب علينا أن نسعى لتوظيف بقايا الماضي من أجل تعزيز التركيبة المعّقدة والمهمة للمشهد الحالي. إن التباين بين القديم والحديث، والتركيز المكثف على العناصر الأكثر أهمية، سينتج مع مرور الوقت مشهداً عميقاً، لا يمكن لأي فترة زمنية أن تجاريه” (لينش، 1972)

City gate Bab Qinnasrin: outside view

استنادًا إلى خبرتي المهنية لعدة سنوات كمهندسة معمارية في العديد من مشاريع الترميم وإعادة التأهيل في مدينة حلب القديمة، وبالإضافة إلى كوني إحدى قاطنيها سابقاً، أرى أن المجتمع المحلي، الموصوف عادة بالمحافظ، قد شهد مزجاً جديداً وتحوّلًا في تكوينه. فالإضافات والتعديلات العمرانية كانت إحدى أسباب نشوء أنماط وتراكيب جديدة. ولكي تتمكن من ملاحظة تلك التغييرات، تتبع معي أحد أيامي في حلب قبل الحرب:

مخبز محلي في حلب القديمة

في الصباح الباكر، قادني باب قنسرين، أحد أبواب المدينة القديمة، إلى زقاق مرصوف بالحجارة، ووصلت بعد عبوره إلى ورشة البناء التي أعمل فيها. ولكن قبل وصولي بخطوات، تزكم أنفي رائحة “كرواسان” ساخن من أحد المخابز المحلية الصغيرة. ويقرّ أصدقائي الفرنسيون الذين سكنوا هذا الحي لفترة من الزمن، بأن مذاق الكرواسان هنا لا يختلف عن مذاق مثيله الباريسي الشهير. ورشة البناء التي أعمل فيها هي بيت حلبي تقليدي، وللدخول إليه لابدّ أن تحني قامتك عند اجتياز بابه القديم. في هذا اليوم الاعتيادي، عليّ أن أجتمع ببعض العمال في فناء الدار وأناقشهم في مخططات تخصّ تصميم حوض السباحة. إنها رغبة أحد الزبائن بإنشاء مسبح فوق سطح دار ضيافته المؤلفة من ثلاثة بيوت حلبية مجتمعة في قلب المدينة القديمة.

يضم الزقاق نفسه مفاجأة مبهجة لا يمكن ملاحظتها من الخارج، إنه مبنى يعود إلى أواخر القرن السادس عشر، ويقودك الفضول إلى دخوله، لتجد فندقاً يحوي عدة غرف مجدّدة، بما يتناسب ومجدها وأصالتها القديمة. وفي موعد الغداء، غادرت العمل لبضع دقائق كي أشتري طعامي من محل الفول الشهير الواقع في حارة ضيّقة مجاورة. وعدتُ إلى الورشة، وتناولت وجبتي تحت شجرة الليمون التي تتوسط فناء المبنى، وأنا أتأمل جمال المكان.

بيت حلبي تقليدي
منزل حلبي محدّث في حي باب قنسرين


وها أنا أتلهف لوقت انتهاء العمل، لأنني على موعد اليوم لرؤية أصدقائي في بيتهم التراثي الحلبي. هنا، في هذا المكان التقليدي، بدأنا نلفّ الـ “سوتشي” وأنا أتخيّل إحدى الجارات في فناء (حوش) البيت المجاور وهي تلفّ ورق العنب (اليبرق) ضمن أجواء تحفل بالموسيقا والضحك، وبدأنا بتناول عشاءنا في الحوش حيث اختلطت أصالة المكان بثقافة الطعام المختلفة تماماً.









حي سكني حديث في حلب

وبعد انتهاء يومي هذا، غادرتُ إلى منزلي الواقع في أحد الأحياء الحديثة من المدينة. ألقت أحداثي اليومية هذه الضوء على بعض أنماط الحياة البديلة التي كانت موجودة في المدينة التاريخية القديمة. فقد تمكّن المجتمع المحلي من التكيّف مع كثير من الثقافات الأخرى، وكذا مع أنماط المعيشة المعاصرة. إن هذا التمازج والتكيّف ليس جديدًا على مدينة حلب العريقة، فماضيها – بفتراته التاريخية المتعاقبة – يشهد على انفتاحها الذي يظهر في المجالات المختلفة كافّة، وفي أدقّ تفاصيلها. قد يرى بعضهم أن هذه التغيّرات والتعديلات العمرانية مزعجة وتجتاح النسيج المتاخم، على حين يرى آخرون أنها مكمّلة للخصوصية المحلية. وعلى أيّة حال، وفي كلتا الحالين، أرى أن جمال المدن القديمة يظهر بوضوح في مزج التراث الحضاري المحلي بالتعدّد الثقافي. لقد بات مؤكّدًا أن هذا التمازج يقدّم صورة معاصرة فريدة، وهي -من دون شكّ- مهمة جداً لأيّة جهود مستقبلية تسعى إلى إعادة إعمار مدينة حلب القديمة.

مجموعة الصور من هذه المقالة: إضغط للتكبير

No images found for your category or tag filters!

تأليف/ نشر ديمة ديّوب

مهندسة معمارية وباحثة عمرانية من سوريا. عملت لدى مشروع توثيق التراث السوري في فترة 2018-2019

التعليق هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.