الحمّام نعيم الدنيا ! عبارة لا زالت ترددها والدتي عند كل مرة تستحم فيها، وكانت تغرينا بها أنا وأخوتي عندما كنّا صغاراً، لتوفّر على نفسها مشقة الطلب المتكرر كي نقبل بالاستحمام. لاشكّ أن أمي قد ورثت هذه العبارة التي تحفل بالمعاني عن والدتها التركية، التي كانت تستحم في أغلب الأحيان في حمّام السوق، سواء في تركيا أو في دمشق، وذلك في مطلع القرن العشرين. مما لا شك فيه أن جدتي بمقولتها “الحمّام نعيم الدنيا” كانت تختصر متع الحياة كلها آنذاك، منها: متعة الخروج من المنزل مع بناتها وجاراتها، ومتعة النظافة، ولعلّ أهمها متعة هي الاستقبالات النسائية في حمام السوق التي تزينها حفلات الرقص والغناء والأكلات الشعبية.

لم يكن حمّام السوق حكراً على فئة معينة من الناس، فهو مرفق اجتماعي يؤمه الجميع سواء أكانوا أغنياء أم فقراء. وغالباً ما يغدو محطة هامة للريفيين القادمين إلى المدينة لقضاء أعمالهم، فبالإضافة إلى كونه مكانًا للنظافة الشخصية، هو أيضاً محطة ممتازة للاستراحة من عناء الطريق.

 لذلك لم تقتصر أهمية الحمامات في سوريا على الاستحمام فحسب، بل كان لها بُعْدٌ اجتماعيٌّ بارزٌ في حياة الناس جميعهم، رجالهم ونسائهم على حدّ سواء، فقد كانت قاعة الاستقبال (البرّاني) ملتقى للاجتماعات، والمناقشات، وتبادل الأراء، وعقد الصفقات التجارية، بالإضافة إلى أنها المكان الأنسب للمناسبات الاحتفالية النسائية كاحتفالات ماقبل الزواج أو مابعد الولادة. وفي هذا المنتدى، أو المنتجع الصحي استمتع الناس أيضاً بجمال التزيينات المعمارية وبالفنون الإبداعية التي تميزت بها الحمامات الإسلامية من دون سواها.

اشتهرت سوريا بحماماتها العامة منذ العصر الروماني. وما لبث المسلمون أن شرعوا ببناء حماماتهم التي تفرّدت بفنّها المعماري الإسلامي، وبطابعها الاجتماعي الخاصّ في جميع المدن السورية.

 تعود فكرة الحمامات العامة – في الأساس – إلى الإغريق في القرن الخامس ق.م، وقد انتقلت معهم إلى بلاد الشام على يد السلوقيين ثم الرومان الذين تميزت حماماتهم بضخامتها. تتألف تلك الحمامات من عدة أقسام رئيسية، هي: المشلح، والقسم البارد، والقسم الدافئ، والقسم الساخن. ويمكننا أن نرى نماذج من تلك الحمامات الرومانية في تدمر، و بصرى، و سرجيلا، وشهبا.

واجهة في حمامات شهبا

حافظ المسلمون فيما بعد على عمارة الحمّامات، وظهرت أولى حمّاماتهم متأثرة بالتصاميم الرومانية ولكن بطابع جديد يتناسب مع فنون عمارة الدولة الاسلامية. وكانت حمّاماتهم على نوعين: الحمّامات العامة المبنية بشكل مستقل، والحمّامات الملحقة، أي التي أضيفت كأجنحة ملحقة بالقصور أو البيمارستان.

يتألف الحمّام الاسلامي بشكل عام من أربعة أقسام رئيسية، وهي البراني المخصص لاستبدال الملابس، ويتكون من باحة مسقوفة غالباً بقبة يتخللها عدد من النوافذ، ويتوسطها نافورة ماء، وفيها باب يتم من خلاله الدخول إلى القسم الثاني من الحمّام وهو الوسطاني. هذا القسم معتدل الحرارة، ومسقوف بقباب تحتوي على فتحات لدخول الضوء. ويسمى القسم الثالث بالجواني، وهو مسقوف أيضاً بقباب تحتوي على فتحات زجاجية، والأرضية مفروشة برخام ملون. أما مكان تسخين الماء فيسمى (القميم)، ويلاصق الجواني لتزويده بالماء الساخن. وثَمّة جزء أخير من الحمام، وهو غرفة ملحقة لسكن (القميمي)، وهو الشخص المسؤول عن تزويد الموقد بالمواد القابلة للاشتعال.

حمام بهرم باشا، قبة القسم الجواني

شهدت المدن السورية عناية ملحوظة ببناء الحمّامات وتزيينها بعناصر زخرفية ومعمارية مميزة. ففي دمشق بنيت الحمّامات العامة بشكل واسع داخل أحياء المدينة القديمة وقرب أبوابها، فكانت تجاور المساجد والمدارس، كحمّام الملك الظاهر الذي يجاور المدرسة الظاهرية. كما انتشرت الحمّامات في الأسواق الرئيسية قرب الخانات، من أجل خدمة التجار والمسافرين، كحمّام نور الدين الشهيد في سوق البزورية.

ومع توسع المدينة وتطورها خارج السور منذ العهد الأيوبي، توزّعت الحمّامات في الأحياء الشمالية على محور أحد فروع نهر ( تورا ) حيث أُنشئت على هذا المحور خمسة حمّامات مازال معظمها قيد الاستخدام، منها حمّام أمونة.

ومن أشهر حمّامات الفترة المملوكية خارج سور دمشق، حمّام القرماني الذي يقع بالقرب من ساحة المرجة، وحمّامات صالحية دمشق كحمّامي المقدم وعبد الباسط. يعدّ حمّام التيروزي من الحمّامات الهامة أيضا في دمشق، بناه الأمير التوريزي المملوكي كجزء من مجموعته المعمارية المؤلفة من جامع كبير، في زاويته غرفة تضم ضريح التوريزي. أما حمّام فتحي في حي الميدان فيُعدّ نموذجاً مميزاً للآثار العثمانية في دمشق، لما يحتوي عليه من زخارف بديعة وغنى واضح في واجهته.

والجدير بالذكر أن الحلبين أضافوا على التقاليد الشعبية العديدة التي تخصّ حمام السوق، عنصراً أساسياً ومهماً للاستحمام وهو (صابون الغار)، الذي ملأ الدنيا بشهرته الواسعة منذ القديم. فقد تبنت حلب – منذ العصور الاسلامية الأولى ـ الطرز المعمارية المشابهة لحمامات القسطنطينية والأناضول. ويعدّ حمام “النحاسين” أشهر حمامات العصر الأيوبي، يمتاز بقبته المزينة بالفتحات الزجاجية للإنارة. ومن المؤسف أن يتعرّض هذا الحمام التاريخي للتخريب أثناء الحرب السورية. أما حمّامات الفترة المملوكية، فخير مثال عليها هو حمام (يلبغا الناصري) الذي يعدّ واحداً من أجمل الحمامات الإسلامية في حلب،   له واجهة جميلة من الحجر الأصفر والأسود، والمدخل مرتفع، على جانبيه نوافذ عديدة. وشأن حمام يلبغا شأن غيره من الكنوز المعمارية الحلبية، إذ نجا من الدمار بأضرار طفيفة، بينما تعرّض جزء كبير من حمّام بهرم باشا” للدمار في الحرب الأخيرة. وهو يقدّم نموذجاً عن تطوّر عمارة الحمّامات في الفترة العثمانية في حلب، فهو يطل على الخارج من خلال واجهته الوحيدة الشمالية، المتميزة بجمالها وببنائها وفق طراز الأبلق.

واجهة حمام يلبغا الناصري

إلى جانب دمشق وحلب، تحتوي أغلب المدن السورية على حمّامات عامة، من أهمها حمّام السلطان في حماه، وحمّام التصاوير في جبلة، وحمّاما الباشا والعثماني في حمص. وهذا الأخير رُمم حديثاً، وعادت إليه وظيفته الأصلية كحمّام سوق. أما مدينة بصرى فتشتهر بحمّام يُعتبر من أشهر الحمّامات الإسلامية في بلاد الشام، وهو حمّام منجك المملوكي، الذي رمّمته المديرية العامة للآثار والمتاحف في الثمانينيات من القرن الماضي بالتعاون مع معهد الآثار الألماني، ومن ثم تحوّل إلى متحف بصرى الإسلامي. وفي مدينة السلمية يقدم الحمام المملوكي الشهير أيضًا خير مثال على الحمامات السورية، فهو يتميز بقبابه ذات القطاع النصف دائري المدبب.

مدخل حمام عبد الباسط في بدايات القرن العشرين

اندثر الكثير من الحمّامات الإسلامية في كافة المدن السورية، ولم يعد لها أي أثر، كحمّام سوق الغزل في حلب، أما البقية الباقية فقد تخلى أغلبها عن وظيفته الرئيسية في استقبال الناس للاستحمّام، وتحولت إلى محلات تجارية أو ورشات مهنية. ولحسن الحظ، بقي بعض من الحمّامات العامة محافظاً على وظيفته وخاصة في السنوات الأخيرة، إذ رُمّم عدد منها، كحمّام القرماني وحمّام أمونة في دمشق. ومؤخراً أخذ إقبال السوريين على الحمّامات العامة يتزايد بشكل ملحوظ، بهدف العودة إلى تراث الأسلاف، والحفاظ على بعض التقاليد الشعبية القديمة، وقد يكون بهدف الهروب من ظروف الحرب القاسية والترفيه عن النفس في مكان فيه الكثير من نعيم الدنيا.

وكما أن لعمارة حمامات السوق إرثها الحضاري والتاريخي، كذلك فإن لكلمات الأسلاف إرثها المتجذر في الذاكرة أيضًا، على اختلاف المكان والزمان ومهما تغيرت ظروف الحياة، واختلفت طرائقها، لا يمكن أن أرى الحمام –  عاماً كان أو خاصاً – إلا  نعيم الدنيا

معرض الصور المتعلقة بالمقال: أنقروا على الصور لتكبيرها!

تأليف/ نشر هبة بزرة

Archaeologist and urban researcher from Syria. Working for Syrian Heritage Archive in 2018-2019

التعليق هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.