قصص سورية

تتميز سورية بتنوع ثقافاتها والكثير من الممارسات الاجتماعية المتوارثة جيلاً عن جيل، الأمر الذي يجعل هذه المعرفة عرضةً للتهديد من جرّاء الحرب ونتائجها. فليس التراث المبنى وحده مهددٌ بالدمار بل إن المعارف المتناقلة شفوياً وأشكال التعبير المختلفة التي تعتبرها المجموعات جزءاً من تراثها الثقافي ترزح كذلك تحت خطر النسيان والاندثار.

يعمل مشروع خارطة التراث السوري التفاعلية على جمع وتوثيق ذكريات الناس ومعارفهم المتوارثة حول الثقافة والحياة السورية مع التركيز بشكل خاص على الجوانب غير الملموسة من التراث، عن طريق طرح مجموعة من الأسئلة تدور في صلبها حول العلاقة بين الناس وتراثهم:

  • كيف يعيش الناس في سوريا؟ كيف يعبرون عن ثقافتهم؟
  • ما هي الأعياد والمهرجانات التي يحتفل بها الناس؟ بم يتميز مطبخ  منطقة عن أخرى؟
  • ما هي الموسيقى السورية التقليدية؟
  • ما هي النكات أو الحكايات الشعبية التي تعرفونها ؟ كيف يتم تناقلها ضمن المجتمع؟

المشاركة مفتوحة للجميع! بالطبع فإن جميع السوريين والسوريات حيثما تواجدوا مدعوون للمساهمة، وكذلك فالمجال مفتوح لغير السوريين أيضاً ممن اختبروا الحياة في سوريا للمشاركة بقصصهم عن الثقافة والتقاليد على مختلف أنواعها.

فيما يلي يمكنكم قراءة بعض القصص التي تمت مشاركتها معنا، كما يمكنكم أيضًا مشاركة قصصكم معنا عبر الإنترنت باستخدام الوسم (TellaStorySyria#) ومتابعة صفحتنا على فيسبوك: Narratives of Syrian Heritage

ينبوع الحياة

ينبوع الحياة:

هناك شيئان هامان  في حياتي، عائلتي وعملي بترميم موزاييك الحجر. تقع مدينتي معرة النعمان بالقرب من مواقع المدن المنسيّة بشمال سوريا، وهم حوالي 700 موقع قديم يعودوا للفترة البيزنطية والتي تحتوي على الكثير من أعمال الموازييك الحجري. لقد عادت مهنة تصنيع الموزاييك قبل الحرب بوقت قصير للانتشار بين سكان المنطقة، ولاحظت من خلال متابعتي أن هناك الكثير من الزخارف والرسوم المتوارثة من جيل لجيل عبر تصنيع الموزاييك أصبحت تستخدم في العمل على حرفٍ أخرى كتصنيع أطباق القش أو أعمال النسيج اليدوية. إحدى النقوش التي كنت ألاحظها باستمرار في أعمال الموزاييك الكلاسيكي هي رسم لطاووسين متقابلين فوق إناء، وتطلق عليها تسمية ينبوع الحياة. ذات يوم لدى زيارتي منزل أحد الأصدقاء في برلين، تفاجئت بوجود لوحة مطرزة بذات الرسم. علمت بعدها أن هذه اللوحة مقدمة كهدية مصنوعة من قبل نساء منطقة الجزيرة شرق سوريا. وهاهو هذا النقش يستمر بالسفر عبر الأجيال والمناطق المختلفة.

محمد صبيح

شجيرة تدعى حلّالة المشاكل

حلّال المشاكل:

الجميع يعتقد أن هذه الصورة غير حقيقية بسبب هذا اللون الأحمر للشجر، ولكني التقطت هذه الصورة بمكانٍ قريبٍ من دمشق يدعى حَرْف السمّاق في منطقة حلبون. كلمة حَرْف بالعاميّة تعني حافةً جبليةً، حيث يسمح الطقس لأشجار السمّاق بالنضوج بمنتصف الخريف وتلوّنها باللون الأحمر بوقت أبكر من المناطق الأخرى. إن شجيرات السماق صغيرة الحجم، طولها حوالي المترين، واللون الأحمر القوي هو لون الأوراق التي كانت تستخدم قديماً -بعد عصرها- لصباغ الأقمشة والجلود باللون الأحمر بينما تطحن الثمارلإنتاج بهار السمّاق وفي سوريا يؤكل مع الفلافل والعديد من الأطعمة الأخرى.

إن زراعة شجيرات السمّاق عملٌ مرغوبٌ من قبل فلاحي المنطقة حتى أنهم يطلقون عليه لقب -حلّال المشاكل- ذلك أنّ موسمه من ورقٍ وثمارٍ ينضج في فترة الشتاء بعد أن تكون عائدات المحاصيل الصيفية الأخرى قد انتهت، فيقدّم هذا المحصول عائداً مادياً ضرورياً خلال أشهر الشتاء.

عصام حجار

حلب: وقوف وتأمل في صحن الجامع

ندر أمي:

كانت أول مرة بفوت عالجامع الكبير بحلب وقت كان عمري 6 سنين، وكنا نقلو جامع سيدنا ذكريا. رحت مع خالتي بطلب من أمي، يلي كانت نادرة ندر لسيدنا ذكريا. بتذكر كانت باحة الجامع عطول فيها عالم، وكانو الشيوخ العميان موجودين بالباحة وكل ماحسّو على حدا قرّب منون يقولو “يللي عليه مولد يا حجة! يللي عليه مولد يا خيتو! يللي عليه مولد يا يوم!” وخالتي عم تدوّر وتختار، بدها تنقي أحسن واحد. لحتى اختارت الشيخ ودفعتلو 25 ليرة.

طقس المولد كان أنو الشيخ يحط إيدو على راسي ويقرا المولد بصوت مسموع. كل شوي خالتي كانت توقّف الشيخ لتتأكد انو الندر مقبول وتقلّو: “حجي مو من قلبك؟” يقلا “اي حجة من قلبي” ويعيد من الأول. بعد كذا مرة من السؤال الشيخ بيبطل وبيقلّا “حجة خدي مصراتك الله معك”.

علاء حداد

تفصيلة من زخارف خشبيات بيت غزالة بحلب، 2009

سرّ المهنة:

لطالما استخدم الوصف „عجمي“ في سوريا للإشارة لشيءٍ أجنبيٍ قادمٍ من الشرق، وهو يطلق عادة على الأشياء ذات الجودة العالية كالشاي والسجاد، ولهذا فإن استخدام كلمة عجمي يتوافق مع فن زخرفة الخشب التي تطورت بشكل كبير خلال الفترة العثمانية.

استهوتني زخرفة الخشب العجمي في بيوت حلب وعملت على توثيقها، وسنة 2009 تطوعت في مشروع ترميم بيت غزالة الذي كان يتم إعداده ليصبح متحف ذاكرة حلب. وهناك بدأت بملاحظة الحرفيين ذوي الخبرة بالرسم الدقيق والسريع. لاحظت ان الحرفيين ينتجون أنماطاً محددةً ومكررةً من الزخارف دون معرفةٍ دقيقةٍ لأسمائها وتصنيفها، فالحرفية العالية بالعمل لم تعنِ المعرفة بأصل المهنة.

 سبب انقطاع المعرفة هذا هو السرية التي حكمت العمل ضمن ورشات العجمي قديماً، ويعتقد أن سبب ذلك هو التنافس بين ورشات الصناعة. كانت العائلات العاملة بهذه المهنة معروفةً وتتوارث أسرار المهنة، كطريقة إنتاج الخلطات والألوان، من الأب للأبناء ونادراً ماتُنقل هذه المعرفة للصنّاع. كان السر الأكبر في هذه المهنة هو خلطة الزخارف النافرة المُسماة نباتي أوعجمي والتي أعطت لاحقاً اسمها للمهنة بأكملها. اليوم يوجد مرممون

لهذه الحرفة حتى في أوروبا، لكن مهنية الحرفي السوري بالرسم لا تضاهى.

رامي الأفندي

الساحل السوري: صناعة الزّوارق الخشبية في جزيرة أرواد

رائحة الجزيرة في ذاكرتي:

كانت زيارتنا السنوية لجزيرة أرواد كلّ صيفٍ مع العائلة من أهم ذكريات طفولتي. أرواد هي جزيرة سورية في البحرالأبيض المتوسط وكان يطلق عليها اسم أرفاد باللغة الفينيقية. كانت هذه الجزيرة من إحدى الممالك الفينيقية واشتهر أهلها بصناعتهم للقوارب الخشبية وصيد السمك ولا زال أغلبهم يعملون بذلك لغاية يومنا هذا. لقد كانت مشاهدة عملية صنع القوارب الخشبية بتفاصيلها من أمتع النشاطات لديّ خلال زياراتنا الصيفية والشيء الذي لا أنساه أبداً هو رائحة السمك المنتشرة في كل أرجاء الجزيرة.

طوني العرقان

مغامرات الطفولة:

مافي فنان من سلميّة إلا ورسم هالقلعة، أو عابر طريق إلا ولفتت انتباهه. لمّا كنت طفل كنت شوفها كبيرة كتير، واتخيل شوفيها حيوانات مفترسة ومخاطر. القصص المتناقلة عنها كانت تخوف الولاد، ولما كبرت وصرت بعمر ال15 سنة، صرنا أنا ورفقاتي نتحدى بعض لنطلع دايماً عالقلعة. كنت اسمع قصص عن وجود سرداب تحت الأرض يوصل لمركز المدينة حتى جامع الإمام اسماعيل. الجامع مكان تاني بسلميّة مليء بالقصص التاريخية الغريبة.

فترة الربيع هي أجمل فترة بتكون اطلالة القلعة فيها ساحرة، ولمّا بحاول أتخيل سلميّة بتكون صورة القلعة هي أول صورة بتخطر عبالي وبتاخدني الذاكرة لمغامرات الطفولة، ولليوم بطلب من أصدقائي يبعتولي صور القلعة بس يمرّوا من جنبها.

علاء القصير

ملجأ للسكون

ملاذ هادئ:

كلّما مررت بسوق البزورية الشهير الذي يباع فيه التوابل والعطور، كنت أراقب ما إذا كان باب خان أسعد باشا المهجور مفتوحاً. في العادة تكون البوابة مغلقة إلا في حال وجود مناسبةٍ خاصةٍ، وفي بعض الأحيان يكون الباب الصغير المحفور ضمنها مفتوحاً فكنت دائماً أستغل الفرصة وأتسللّ لداخله.

خان أسعد باشا من أحب مباني دمشق إلى قلبي، باحته الكبيرة المفتوحة من أعلى جعلتني أتخيل ما معنى العزلة في حياةٍ مليئةٍ بالضجيج، والحجر المتعاقب بالأبيض والأسود مع صوت الماء وظلال العناصر المعمارية كان يشعرني أنّي داخل صورة تاريخية قديمة. لطالما لفتت نظري الرائحة الغريبة في هذا المكان والتي كانت مزيجاً من رائحة رطوبة الحجر القديم مع روائح التوابل القوية القادمة من سوق البزورية. خارج تلك البوابة توجد المدينة بحياتها وأسواقها المزدحمة وباعتها الجوّالين، بينما أستطيع داخل هذا الخان البقاء – حين أشاء – بعيداً عن هذا العالم الصاخب.

رشا قنجراوي

معرض الصور المتعلقة بالمقال: أنقروا على الصور لتكبيرها!

No images found for your category or tag filters!

 

التعليق هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.