بقلم استيباليز سينرا إراشيتا

تُعدُّ صناعة النسيج إحدى أقدم الحرف التي مارسها الإنسان، فقد ظهرت منذ نشأة حياة الاستقرار والنهضة الزراعية كوسيلة لتغطية الجسد وحمايته من الظروف المناخية القاسية، وكذلك لحفظ البضائع أثناء عملية نقلها. تعتمد عملية إنتاج النسيج على تقنياتٍ وأدواتٍ عديدة، وتمر في مراحل مختلفة ممثّلةً بذلك إحدى أهم الإنجازات التقنية البشرية.

يُنظر إلى حرفة النسيج في سوريا على أنها حرفة فنية لا تزال تمارسها عدّة مجموعات بشرية، كالبدو في الصحراء والريفيين في منازلهم القروية، وكذلك يمارس النساجون في المدن الكبيرة هذا النشاط ضمن ورشات عائلية. وعلى مدى التاريخ، طورت كل جماعة بشرية أساليبها وتقنياتها الخاصة في الحياكة والنسج، بالإضافة إلى التصاميم المختلفة، وذلك باستخدام مجموعة متنوعة من الأنوال والأدوات. إن هذا التنوع في التصاميم والأدوات لإنتاج منسوجات، جعل بالإمكان تمييز القماش حسب المنطقة التي صنع بها.

الغزل والنسج

فن صناعة النسيج السوري
الغزل باستخدام مغزلٍ معلّق, © كارين بوت(CC-BY-NC-ND)

تتم عملية صناعة النسيج بالحصول أولاً على الألياف ثم معالجتها لتصبح خيوطاً مغزولة، ويتحقق ذلك عبر عملية تُسمى بـ “الغزل” والتي يمكن تنفيذها يدوياً عن طريق لف الألياف لتتحول إلى حبل باستخدام المغزل الذي يسحب الألياف ويثنيها لتشكيل خيط متصل. ويمكن أيضاً إجراء تلك العملية باستخدام دولاب الغزل الميكانيكي.

إن مراحل النسج مرهقةٌ للغاية، تبدأ بعملية ما قبل الحياكة وتُسمى التسدية، التي يتم فيها عدّ الخيوط وجمعها في طبقات لترك فواصل بينها. يتولى هذه العملية المُسدِّي وهو المسؤول عن مدّ السداة وتنظيمها. أما تركيب النول فيقوم به عامل تنظيم الخيوط (المُلقِي) الذي يثبت كل خيط على أوتاد المشط ويدخله ضمن فتحات الدرأ (وهو إطار مصنوع من الخشب غالباً يحتوي على حبال أو أسلاك من الصلب بها فتحات تمر من خلالها خيوط السدى بالنول، وبذلك يمكن رفعها وخفضها حسب التصميم النسجي المطلوب). بعد مدّ الخيوط على النوْل، يمكن أن يبدأ النوّال (يسمى كذلك النسّاج أو الحائك) عمله. يستغرق إنتاج القماش بضعة أيام وقد تمتد المدة إلى أشهُر.

فن صناعة النسيج السوري
النوْل الأفقي , © إستيباليز سينرا إراشيتا (CC-BY-NC-ND)
فن صناعة النسيج السوري

نوْل الشريط, © إستيباليز سينرا إراشيتا (CC-BY-NC-ND)

إن أبسط أنواع الأنوال المستخدمة في سوريا هو نول الشريط أو نول الشبر، والذي يُستخدم من قبل نساء البدو وبعض النسّاجين المحترفين في المدن لإنتاج منسوجاتٍ رفيعة كالأربطة والأحزمة والأشرطة. إلا أن حياكة الأقمشة تتطلب استخدام أنوال أكبر حجماً وأكثر تطوراً كالنول الأفقي. يعتقد بأن النول اليدوي ظهر أول مرةٍ في سوريا قرابة منتصف القرن الثالث (وايلد، 1987، ص. 22). نظراً لخفة وزن النول وإمكانية نقله، فقد استخدمته جماعات البدو لإنتاج نسيج الكليم أو نسج البسط.

فن صناعة النسيج السوري
نسّاج يعمل على نوْل الحفرة في حماة, © متحف الفن الإسلامي، متاحف الدولة ببرلين، مجموعة شتيفان فيبر (CC-BY-NC-SA)

من الأنوال الشائعة كذلك تلك التي تعمل عن طريق نقل الأجزاء الميكانيكية المتحركة، ومنها أنوال الدواسات والتي يتم تشغيل آليات الحياكة فيها من خلال الضغط بالأقدام على الدواسات. هنالك أيضاً نوْل الحفرة الذي يُوضع بطريقة ملائمة داخل خندق محفور في الأرض للاحتفاظ برطوبة خيوط القطن أو الصوف. أما نوْل الدرأ فهو جهاز يَسمح بحياكة أنماط وتصاميم أكثر تعقيداً مثل الإيكات. يسمح نوْل الرسم (السحب) بإنتاج مجموعة متنوعة من تراكيب النسيج، ويُستخدم على نحو شائع في نسج الرسومات والزخارف والأنسجة المعقدة مثل أقمشة البروكار والدامسكو. حلّ نوْل الجاكار (Jacquard) في معظم ورش الحياكة محلّ الأنوال اليدوية، وهو نول يتم تشغيله بواسطة الكهرباء ويَتحكّم به الحاسوب. إن هذا الاستخدام المتطور جعل عملية الحياكة آلية لإنتاج كمياتٍ كبيرةٍ من النسيج الصناعي.

حياكة الكليم والبسط

من أكثر أنواع النسيج شيوعاً في سوريا وغيرها من بلدان العالم العربي هو نسيج الكليم، وهو تقنية تستخدم لإنتاج عدد من المنتجات المختلفة مثل البُسط والسجاد والملابس والحقائب، من خلال صنع قماش قوي ومرن من خيوط الصوف. هنالك عدّة أشكال مختلفة من تقنيات إنتاج البُسط، وهي: الكليم (Kilim) وهو نسيج ذو لون واحد (سادة)، خيط اللُحمة فيه كثيف ومدفوع بإحكام إلى الداخل لإخفاء خيوط السدى تماماً من النسيج. يمكن إنتاج عدة أشكال وتصاميم وأنسجة باستخدام ألوانٍ وتقنياتٍ مختلفة.

نسيج الفجوات( Slitweave): يُستخدم لإنتاج أنماط هندسية (بشكل قطري) على نسيج الكليم، حيث تكون فيه خيوط اللُحمة مفصولةً بحواجز من الألوان وتترك فجوات أو شقوق بينها.

فن صناعة النسيج السوري
أشكال تقنيات إنتاج البسط , © إستيباليز سينرا إراشيتا (CC-BY-NC-ND)

نسيج السدى المتشابك (Shared warp) : عن طريق تشابك خيوط اللُحمة بدلاً من ترك فجوات مفتوحة. يُنتَج هذا النسيج عادة من خلال استخدام حواجز لُحمة مختلفة الألوان، مما يعطي منظراً مموَّهاً للزخارف.

جيجيم (Cicim): وهي طريقة يتم فيها تشبيك جدائل ملوّنة إضافية في خيوط اللُّحمة والسدى، وذلك لإضفاء تأثير بارزٍ على التصاميم.  تُستخدم هذه الطريقة لإنتاج أشكال زخرفية صغيرة والتي قد تكون متناثرة على النسيج أو منظمة في مجموعات.

زيلي (Zili) : نوع من النسيج بحبكة عائمة يتم فيه لف خيوط لُحمة إضافية حول خيوط السدى لتشكيل خيوط متوازية.

السُّماق (Sumak) : يتم لفّ خيوط السدى بترتيبات حسابية دقيقة لإنتاج نقوشٍ بارزة على سطح التصاميم، مما يعطي انطباعاً بوجود أنماط بارزة. تُعَدّ هذه الطريقة من أعقد التقنيات الموجودة، وهي تتيح إنشاء مجموعة متنوعة من الزخارف.

الحياكة والأقمشة

اشتهرت مدينة دمشق تحديداً بتقاليد الحياكة والنسيج، ومنها أخذ قماش الدامسكو الشهير اسمَه، حتى إنّ ملكة إنجلترا قد طلبت حريراً دمشقيّاً لحفل تتويجها كهدية من سوريا. يتميز قماش الدامسكو بزخارفه المنفذة على الوجهين، ويُنسَج عادةً من الحرير والخيوط المعدنية مما يضفي عليه مظهراً لامعاً مميزاً. تُنتَج اليوم معظم الأقمشة الدمشقية من خيوط صناعية لأن القطن وخيوط اللوركس رخيصة ومتاحة بشكل كبير، وذلك باستخدام أنوال الجاكار. ويمثل إنتاج الأقمشة الدمشقية نشاطاً صناعيّاً مهمّاً تدعمه سوق تنجيد الأثاث في سوريا والعالم. 

تحظى حياكة البروكار أيضاً بشعبيةٍ كبيرةٍ في سوريا، فهو نوع من النسيج ظهر أول مرة في الصين ثم انتشر لاحقاً في جميع أنحاء الشرق الأوسط حيث تطورت تقنيات إنتاجه لدرجة فاخرة. يتألف نسيج البروكار من زخارف منسوجة أو أنماط على شكل نقوش بارزة تظهر على وجهٍ واحد فقط من القماش. وفي مدينة حمص انتشرت حياكة اللانسيه الذي كان يُستخدم في نسج الأوشحة الحريرية التقليدية وتزيينها، باستخدام خيوط لُحمة معدنية إضافية على عرض النسيج لصُنع أشرطة قصيرة عائمة فوق التصميم أو أشكال هندسية مربّعة.

تشتهر مدينة الباب الصغيرة بإنتاج نسيج اللباد (اللبابيد). تتضمن عملية صُنع اللباد تلبيد ألياف الصوف وضغطها مع بعضها البعض باستخدام آلة محددة. من أجل إنتاج هذا النوع من النسيج توضع طبقات من تشكيلات الصوف المصبوغة على حصيرة من الصوف بلونه الطبيعي، ثم تُلَف هذه الحصيرة وتوضع في ماكينة تعالج ألياف الصوف معاً وتدمجها لتصبح كالبساط. وثّقت آنغريت هافنر خلال زيارتها لحلب عام 2008 عملية إنتاج نجود اللباد ضمن يومياتها.

شاهد مقاطع فيديو لنسّاجين من سوريا

نول الرسم (السحب) في حماة

© متحف الفن الإسلامي، متاحف الدولة ببرلين، مجموعة شتيفان فيبر (CC-BY-NC-SA)

العمل على نول الحفرة في حماة

© متحف الفن الإسلامي، متاحف الدولة ببرلين، مجموعة شتيفان فيبر (CC-BY-NC-SA)

العمل على نوْل الدرأ في حلب

© محمد فلاحة


استيباليز سينرا إراشيتا خبيرة في المنسوجات التقليدية، وهي مرشحة لنيل درجة الدكتوراه في دراسات التراث العالمي في جامعة براندبورغ التقنية في كوتبوس. عملت سابقاً في مجموعة ( Ruth D. Lechuga Folk Art Collection ) ضمن متحف فرانز ماير، وكمدرّسة في ورشة ترميم النسيج الخاصة بالمدرسة الوطنية للحفظ والترميم والمتاحف ضمن المعهد الوطني للأنثروبولوجيا والتاريخ في المكسيك.

التعليق هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.