بقلم استيباليز سينرا إراشيتا

تُمثِّل الأهمية التاريخية والاقتصادية والثقافية للمنسوجات التقليدية في سوريا تراثاً مادياً وغير ماديٍ لا يُقدّر بثمن، الأمر الذي منح الناس إحساساً بالهوية والاستمرارية عبر الزمن. لسوء الحظ، مثل معظم الصناعات النسيجية التقليدية في جميع أنحاء العالم، بدأ فقدان هذه المعارف بشكلٍ متسارع نحو ضياعها.   

مع بداية القرن التاسع عشر شهدت سوريا تلاشياً سريعاً للمنسوجات التقليدية، وذلك نتيجة للاتفاقيات التجارية بين الإمبراطورية العثمانية والأسواق الأوروبية، ما أدى بدوره إلى إغراق الأسواق التقليدية بالأقمشة البريطانية الرخيصة الثمن، تلاه نقصٌ في المواد الخام المحلية وزيادة أسعار المنتجات اليدوية تشير التقديرات إلى أنه بحلول عام 1850، انخفض تصنيع المنسوجات التقليدية بمقدار النصف، مع انخفاض استخدام الملابس التقليدية بمقدار ثلاثة أرباع ، حيث بدأ الناس في المدن والبلدات في ارتداء الملابس ذات النمط الأوروبي. أثر هذا التراجع على الأسواق وأدى إلى توقف انتقال المعارف المتعلقة بصناعة الأقمشة من جيلٍ إلى جيل.

جلب استقلال البلاد بعد الحرب العالمية الثانية التحديث والتصنيع إلى المنطقة، مما دفع إلى إدخال مواد أرخص وأدوات ميكانيكية سهّلت عمليات التصنيع، بوقتٍ أسرع وتكاليف أقل. لقد أدى هذا إلى تغييرِ لا رجعة فيه باستبدال وفقدان العديد من الصناعات النسيجية اليدوية السورية من الأسواق. بالإضافة إلى ذلك أدّت التغييرات في المجالات السياسية، وكذلك في الظروف المناخية والحياتية، إلى انخفاضٍ كبير في عدد مجتمعات البدو الرحل، وطرق عيشها التقليدية (جيلو، ص 96).

تشير الأبحاث التي أجرتها الباحثة ماريا زيرنيكل (1992، ص 194) إلى أنه قبل الحرب العالمية الأولى، كان هناك ما يصل إلى 60 ورشة عمل للصباغة بالنيلة تعمل في حلب. بقي منها اثنان أو ثلاثة فقط بحلول عام 1992. وفي عام 1973، قُدِّر أن ما يصل إلى 3500 من النساجين كانوا يعملون في المدينة، ولكن بعد عقدين من الزمان، بقي حوالي 200 منهم وهم يعملون في النول التقليدي. في وقت إجراء البحث، كان من الصعب العثور على ورشٍ للصباغة ‘بالمقاومة’، حيث تم استبدال الورشات العائلية بمصانع تنتج الأقمشة المطبوعة. من الظروف التي أسهمت في هذا الضياع بشكلٍ كبير كان النقص الحاد في تناقل الأجيال للمهنة، حيث كان الصباغون والنساجون الموجودين جميعاً من الرجال المتقدمين بالعمر. ومع تناقص القيمة الاقتصادية، بدأ الشباب يفقدون الاهتمام بتعلم مهارات إنتاج الحرف اليدوية. وفقاً لمصممة المنسوجات أنغريت ليمبكه، فإن الأخوين إلياس وجرجي ظاهر، الذين اشتهرا بإنتاج الإيكات ، توفيا قبل رحلتها الأخيرة إلى حلب في عام 2007، ولم ينقلا المعرفة المتعلقة بهذه الحرفة لأحد.

إذا كان بقاء تقاليد النسيج السورية معرضاً للخطر بشكل كبير بحلول نهاية القرن العشرين، فإن تصاعد النزاع المسلح في المنطقة منذ آذار 2011 قد أثر بشكلٍ خطيرٍ على إنتاج المنسوجات التقليدية. حتى الصناعات التحويلية في البلاد، التي أثرت سابقاً على الحرف القديمة، قد دُمّرت بسبب الحرب، مع تدمير المصانع وتشريد العمال والقيود على التجارة (وكالة الصحافة الفرنسية، 2016). كل هذه الظروف ترمي إلى الافتراض العام للأسف بأن معظم أشكال التعبير التقليدية للنسيج في البلاد على وشك الاندثار.

آخر توثيق لمحمد فلاحة يعمل على نوْل الدرأ التقليدي في حماة © محمد فلاحة

اضطر محمد فلاحة، أحد أصغر منتجي ونساجي الإيكات (التربيط) في حلب، إلى الفرار من المدينة مع أسرته مع تصاعد الصراع، وهو يقيم حالياً في تركيا ولم تتح له الفرصة للنسج منذ ما يقارب عقداً من الزمن. بسبب وجود الكثير من القصص المشابهة أقامت بعض الشركات والمنظمات غير الحكومية مشاريعاً اجتماعية مع اللاجئين السوريين في دول مثل الأردن ولبنان، لتزويد مجموعات صغيرة من الأشخاص بالتدريب على هذه الحرف والتسويق لها للتجارة بها لدعم أنفسهم اقتصادياً. ومع ذلك، فقد لوحظ نقص في التمويل للمساهمة في الترويج لها والقدرة على تنفيذ المشاريع على نطاق واسع. بالإضافة إلى ذلك، فإن الوصول إلى مناطق معينة في سوريا لتقييم حالة الحرف النسيجية، من أجل تطوير وتنفيذ استراتيجيات حماية وترويج حاسمة لا يزال لا يعدّ أولوية بالنسبة للكثير من المنظمات. لا بد من الاشارة انه بدون محاولات حيوية لحماية التراث السوري المادي وغير المادي، فإن حصيلة قرونٍ من المعرفة والجمال والثقافة ستختفي إلى الأبد، ويمكن أن تُنسى المنسوجات السورية في رمال التاريخ، وتختفي في أنسجة الحرب الملطخة بالدماء.


استيباليز سينرا إراشيتا خبيرة في المنسوجات التقليدية، وهي مرشحة لنيل درجة الدكتوراه في دراسات التراث العالمي في جامعة براندبورغ التقنية في كوتبوس. عملت سابقاً في مجموعة ( Ruth D. Lechuga Folk Art Collection ) ضمن متحف فرانز ماير، وكمدرّسة في ورشة ترميم النسيج الخاصة بالمدرسة الوطنية للحفظ والترميم والمتاحف ضمن المعهد الوطني للأنثروبولوجيا والتاريخ في المكسيك.

التعليق هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.