1. فن صناعة النسيج السوري
  2. سجّاد لبّاد الصوف من مدينة الباب
  3. خيوط الحياة: تزيين المنسوجات السورية
  4. مجهولات: النساء وراء حرفة الأغباني الجميلة
  5. حبرٌ يدوم إلى الأبد
  6. من الحيوانات والنباتات: المواد الخام للنسيج
  7. نظرة إلى عالم تربية دودة القز في سوريا
  8. نظرة إلى حرفة الحرير القديمة في سوريا
  9. ما تبقى من طريق الحرير
  10. أهل الصحراء: الملابس البدوية
  11. البساط العجمي والعبيدي الرقيّ/ ذاكرة امرأة من مدينة الرقة
  12. المنسوجات التقليدية: تقليد مهدد بالاندثار
  13. لا تُنسى: محاولةٌ لاستحضار الذكريات الحية من خلال المنسوجات

بقلم آنغريت هافنر

كانت أول مرة رأيت فيها سجّادة من اللبّاد في شهر آب من عام 2008، وذلك خلال رحلتي الأولى إلى سوريا، إذ لفتت نظري مباشرةً عند دخولي أحد الشقق السكنية في حلب. لم أر من قبل هذا النوع السميك والمتين من سجّاد اللباد، إذ كانت تلك السجادة الصوفية الكثيفة بسماكة 4 سم من الصوف القاسي. كنت أتساءل كيف يصنع هذا النوع من السجاد وكم من الجهد يبذل لإنتاجه؟ وخاصة أن ألياف الصوف تتماسك من خلال الدعك وإضافة الماء الدافئ وروبة الصابون.  

لم يبق سؤالي بخصوص تصنيع هذا السجاد الجميل دون إجابة لوقتٍ طويلٍ، فبعد فترة قصيرة أُتيحت لي الفرصة لزيارة إحدى منشآت إنتاج سجّاد اللباد. وصلت إلى مدينة الباب على بعد ساعةٍ بالسيارة من حلب إلى الشمال الشرقي، وكلّي أملٌ بمعرفة المزيد عن هذه الصناعة. مدينة الباب هي مدينة صغيرة ذات طابع قروي، لذا لم يكن من السهل العثور فيها على “مصنع للسجّاد”، وبالتالي فإلإجابات التي أنتظرها ربما مازالت بعيدة المنال. كنا نتنقل من شوارع صغيرة إلى شوارع أُخرى أصغر، حتى وصلنا أخيراً أمام مرآب. هناك، كان أمامنا كيسان كبيران مليئان بالصوف الخام، تنبعث منهما رائحة الأغنام الرطبة والتي وصلت لأنفي بعد برهة من وصولنا إلى المكان.

تناهت إلى سمعنا أصواتٌ خافتة رتيبةٌ قادمة من داخل المرآب، ليتبين لنا لاحقاً أنها أصوات آلة دعك أو تمشيط سجّاد اللبّاد. دخلتُ إلى غرفةٍ ضيقةٍ مظلمةٍ، كانت مليئة بالغبار والضوضاء القادم من زاويتها. كان الضجيج صادراً عن آلة حديدية قديمة تشبه ماكينة عصر الملابس الأسطوانية (أداة كبس بالضغط بين أسطوانتين)، ولكنها أكثر اتساعاً. كانت الآلة تقوم بإسقاط لوحٍ فوق بكرةٍ دوارة بتواتر منتظم، وهكذا حتى يتم صنع السجادة. حلت هذه الآلة محل العمل اليدوي الشّاق لتصنيع سجاد اللباد. أوضح لي مالك المصنع أن بعض خطوات الإنتاج قد تحولت إلى شكلٍ آليٍّ قبل حوالي عشر سنوات. لا تستخدم هذه الآلات في مصانع إنتاج سجّاد اللبّاد في منطقة الباب فحسب وإنما أيضاً في باقي أرياف المنطقة وصولاً إلى الحدود العراقية. كانت هذه الخطوات الإنتاجية تتم سابقاً يدوياً أو بالأحرى بواسطة الأقدام، حيث يحتاج صنع سجادة واحدة عمل رجلين لمدة عشر ساعات، بينما تستغرق الآلة أربع وعشرون ساعة لإنتاج مثيلتها. إلا أنه بالنظر إلى الجهد الهائل الذي كان يبذله العمّال فإن الاعتماد على الآلة هو تغييرٌ مرحبٌّ به.

قام رجل عجوز يرتدي ملابس رثة تبدو عليها آثار العمل المُضني، بعرض يوضح كيفية إنتاج السجّاد سابقاً باستخدام القدمين. وضع الرجل المبتهج بهذا العرض إحدى قدميه على لفة السجادة والقدم الأخرى على الأرض، وكانت كلتا يداه على ساقيه لمساعدته على التوازن، ثم أخذ بالدوس بقوة على السجادة الملفوفة بإيقاعٍ منتظم. تدحرجت السجادة الملفوفة على إثر عملية الدّك إلى الأمام إلى أن لم يبق مكان للحركة فغير الرجل اتجاه الضرب ببساطة.

An old man from Al-Bab demonstrates how felt carpets were traditionally manufactured by using one´s own foot
الصورة 5: رجل من ورشة مدينة الباب يوضح كيف كانت بسط اللبّاد تصنع قديماً عن طريق الدّك بالأرجل – © آنغريت هافنر (CC-BY-NC-ND)

ما يثير الدهشة أنه قبل عشر سنوات (أي في عام 1998) كان لا يزال هناك 400 ورشة عمل في الباب، بقي منها ست فقط، وكان ذلك في تاريخ رحلتي عام 2008. لم تعد هذه الحرفة تؤتي ثمارها لعدةٍ أسباب منها الانتاج الآلي واستخدام البدائل الجديدة مثل البولي بروبيلين والأكريليك بالإضافة إلى الوقت المبذول والجهد البدني الشاق وتأثيره على الصحة، إذ أن الكثير من صانعي سجاد اللباد يصابون بسرطان الرئة الناتج عن غبار الصوف. كان واضحاً أن تلك الحرفة كانت تعيش أيامها الأخيرة، إلا أنها لا تزال موجودة في المناطق الريفية، وإن كان ذلك بمساعدة الآلات الميكانيكية.

حالفني الحظ في رؤية المزيد، حيث كان يتمّ إنتاج سجّادةٍ في الجزء الخلفي من المرآب المجاور. وُضع التصميم بحجمه الكامل على شكل قالب على الأرض ومن ثم بدأ العمال بتوزيع الصوف الملوّن على القالب. في البداية يتم تشكيل السجادة بحيث يكون وجهها العلوي مقلوباً إلى الأسفل ويكون التصميم معكوساً، بحيث يُرصف الصوف شديد اللمعان طبقةً بعد طبقة ثم يُغطى بواسطة الصوف ذو الألوان الأساسية القاتمة. عند تحديد الحجم النهائي للسجّادة يتم عادةً خصم نسبة ثلاثين في المائة من حجمها وذلك لأن جزءاً من حجم السجّادة يتقلص بسبب انكماش الصوف. يحتاج إنتاج متر مربع واحد من السجّاد إلى ستة كيلوغرامات من الصوف، الذي يتم الحصول عليه من المناطق المحيطة بمعامل الإنتاج، وأحياناً يحضره الزبون بنفسه إلى الورشة. لسوء الحظ لم يتح لي مشاهدة الخطوات الإنتاجية التالية. من المفترض أن يُبلّل سطح الصوف ومن ثم يُغطى بالقماش، ثم يُلفّ على شكل أسطوانةٍ ويوضع في الآلة. بعد ساعتين من ذلك يتم رفع الاسطوانة وتُفَكّ اللفة السابقة ويتم قلبها ثم يلفّ الصوف مرة أخرى. يستمر العمل هكذا إلى أن يتلبّد الصوف جيداً ويتم الوصول إلى الحجم المطلوب.

عُرِض عليّ في الشارع سجّادتين أخريتين بألوان زاهية على عكس سابقتهما. كانتا مزخرفتان بمزيج رائع من الألوان المتمثلة بالوردي والأحمر والأرجواني والأزرق على خلفية وردية فاتحة. استطعت أن أتخيل على الفور تأثير تلك السجّادة المثيرة للإعجاب بتميزها، على أرضية غرفةٍ اللعب أو غرفة النوم، وكيف سيكون تأثيرها حينما يتم المشي عليها بسطحها الصلب والدافئ. كانت تلك آخر مرّة شاهدت فيها سجّادة كهذه.

التعليق هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.