بقلم رانيا قطف

من أجمل المشاهد التي يصفها رواة القصص المتحدثون عن ذكرياتهم في مدينتهم المحبوبة حلب، هي صور الأقمشة المطبوعة يدوياً الملفتة للنظر بألوانها المختلفة والتي تزيّن أسوار قلعة حلب. يتكلم الشاب بساطة أحد تجار المدينة عن ذكريات الأيام الخوالي وعن مشاهدته لصبّاغي الأقمشة وهم يقومون بعملهم السحري في مدينة حلب القديمة، ويضيف: “كان يتم تصميم الأقمشة حسب درجات الألوان وكأنها قوس قزح، مزيّنةً بما يفوق الـ ٣٠٠ رسمة، لتروي قصصاً تبنّتها المدينة عبر التجارة بين المشرق والمغرب.” للأسف، لم يبق من ذاك المشهد سوى بعض الذكريات الراسخة في عقول الصناع والحرفيين الذين كانوا يعملون في حرفة الطباعة على القماش، وكذلك بعض الشيوخ الذين يروون بواسطة شفاههم الجافة قصصاً لمدينتهم حلب قبل الحرب، ويتعطشون لماضٍ يخشون فقدانه الى الأبد.

على مدى قرون عديدة، كانت الأقمشة المطبوعة يدوياً من أهم السلع التي لا يخلو منها بيت أو سوق سواء في حلب أو في دمشق أو في حماة، وهي المدينة الأكثر شهرة وإنتاجاً. كان نساء مدينة دير الزور يسافرن إلى حلب من أجل شراء الهباري، وهو قماش من الحرير مطبوع يدوياً ويستخدم كغطاءٍ للرأس أو الزينة في موسم الأعياد أو المناسبات؛ يتألف من قطعة الى ثلاث قطع من الهباري. استوحى طبّاع قماش الهباري معظم الألوان والرسومات من الطبيعة، وكانت النساء تغطي به شعورهن وجبهاتهن وهنّ مؤمنات أن هذا الزي التقليدي رمزٌ للرقي والجمال الأزلي.  

اشتهرت مدينة حماة بالقماش القطني الأبيض المطبوع برسوماتٍ هندسية ونباتية منفذة بالحبر الأسود، ويستخدم غالباً كمفارش للطاولات أو للأسرّة. من الملفت للنظر أن حركة البدو داخل وخارج سوريا ساهمت في انتشار هذا النوع من القماش في العراق. ومع الوقت، دخلت ألوانٌ جديدةٌ لتحل مكان اللون الأبيض، كاللون الأخضر والخمري والأزرق الداكن. يقول حسان الدهبي أحد تجار مدينة دمشق القديمة: “إن الألوان أو الأصباغ الداكنة  تتلائم بشكل أكبر مع السفر. كان سكان البادية يفضلون هذا القماش على غيره نظراً لجودته العالية، كما أن السياح كانوا يشترونه كأغطية للطاولات”. بقي الحبر الأسود رمزاً يعكس نشأة هذه الحرفة وكذلك رجال مدينة حماة. ويكمل الدهبي قائلاً “كل شيء له عمر، إلا الحبر الأسود يعتبر رمزاً للقوة”، ولهذا السبب تم الحفاظ عليه من قبل أهالي مدينة حماة.

أما في دمشق، فقد تمت عملية الطباعة على القماش داخل الورشات في المدينة القديمة، وتحديداً في سوق مدحت باشا وحارة اليهود. أما عن العائلات المعروفة في هذه الحرفة، فإن  عائلة الطباع كانت أهم من طبع على القماش في خان الدكّة الواقع في سوق مدحت باشا. وعلى بعد بعض الأمتار أتقنت نساء وأطفال حارة اليهود هذه الحرفة لاعتقادهم أن فن الطباعة على القماش هو فنٌ دقيق جداً يحتاج لأيدي ناعمة لإتمامه. ومن أشهر العائلات اليهودية التي عملت في هذه الحرفة هي عائلة ساسون، حيث تقول حفيدتهم داليدا باروخ – ساسون أنهم “روّاد هذه الحرفة القديمة”، وكانوا يمتلكون خطاً تجارياً خاصاً بهم لشحن الأقمشة التي يصنعونها من الهند ثم إلى بريطانيا مروراً باليونان.

على الرغم من أن هذه الحرفة على وشك الاندثار نتيجة وفاة معظم فنانيها ودخول تقنيات جديدة في صنع الأقمشة، إلا أنه من المؤكد هو الدور الذي لعبته المدن السورية كمراكز صناعية وتجارية أساسية في صناعة النسيج وفنونها. إنها قصصٌ طُبعت في ذاكرة أجدادنا على مدى القرون بحبرٍ يدوم للأبد.


رانيا قطف تعمل من دمشق في مجال الفنون البصرية بهدف توثيق ذاكرة المدينة من خلال القصص والصور الفوتوغرافية، وهي تحاول من خلال مجموعتها على موقع فيسبوك ( Humans of Damascus) إشراك المجتمع الدمشقي في هذا التوثيق بوسائل افتراضية.

Join the Conversation

1 تعليق

  1. لن أنسى ماحييت منظر ذلك الشخص الذي كان ممسكاً بيده قطعة من الخشب وعلى وجهها الآخر رسومات محفورة في الخشب كان يقوم بملامستها بلطف بسائل كحلي اللون ثم يقوم بملامسة القطعة الخشبية لسطح القماش بلطف مع ضغطة خفيفة وبعدها تظهر تلك النقوشات الجميلة على وجه القماش الخاص بزي أهالي يلدا بريف دمشق..بالنسبة لي كان ذلك المنظر كالسحر من فنان سوري أصيل…

التعليق هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.