مقابلة مع مايا الكاتب الشامي

“لابد من حماية التراث الثقافي في زمنٍ أصبح العالم فيه أصغر من أي وقت مضى، حينما تغير ثقافة الاستهلاك التوجهات الثقافية المجتمعية كقوة جارفة، وبالنظر إلى السياحة كصناعةٍ رئيسيةٍ وحيويةٍ بالنسبة للعديد من الشعوب. تشكّل الثقافة المادية، المُتمثّلة بالفنون والحرف اليدوية، أساساً مهماً يساعدنا في تعريف ذواتنا، كما هي وسيلة لتأكيد القواسم البشرية المشتركة، ولتعزيز التفاهم والاحترام والتقدير بين الأشخاص الذين ينتمون إلى ثقافات وأجيال مختلفة.”

مايا الكاتب الشامي من كتابها “الحرير السوري: صورة لإرثٍ ثقافيٍ حيّ” (2010)
نظرة إلى حرفة الحرير القديمة في سوريا
تتحدث مايا الكاتب الشامي مع رائد إنتاج الحرير اسماعيل الحاج وابنه، محاطين بأشجار العنب في قرية بيت الحاج الجبلية بالقرب من طرطوس. (© هاني حواصلي)

عملت مايا الكاتب الشامي بين عامي 2008 و2010 على توثيق صناعة الحرير في سوريا، وأدى بحثها المعمّق في تقاليد هذه الصناعة التقليدية، من تربية الشرانق إلى الحلّ والنسج، بالإضافة للنظر في إمكانية إنعاشها، إلى إنتاج كتاب فريد يلقي الضوء على جانب من الحياة السورية لا يعلمه الكثيرون. في الذكرى العاشرة لنشر كتابها الحرير السوري: صورة لإرثٍ ثقافيٍ حيّ، أجرت إليزابيث كورينث مقابلة مع المؤلفة ضمن إطار مشروع خارطة التراث السوري التفاعلية.

ما الذي دفعك لتوثيق صناعة الحرير في سوريا؟

كنت أدير في عام 2009 منظمة أهلية تدعى جمعية المكان للفنون، وكان قد أثار اهتمامي موضوع حماية الحرف التقليدية السورية والترويج لها كمشروع يمكننا القيام به. عرّفتني إحدى الصديقات على عائلةٍ في جبال سوريا الغربية ما تزال تبدع شالات جميلة من الحرير منذ أكثر من أربعة أجيال. رحّب بي ربّ الأسرة محمد سعود – والذي كانت وظيفته الأساسية مدرساً للغة العربية – وزوجته أمل بمودة، وشاركاني معرفتهما وخبرتهما. من أسس التخطيط الجيد للمشاريع البدء بتحليل المعضلة، وهذه كانت نيتي. تصوّرت أني لو عرفت المشاكل التي تعاني منها صناعة الحرير، سأصمّمُ الحلول بشكل أفضل. إلا أن هذه الصناعة كانت أكثر تعقيداً وأكثر روعةً مما تخيلت. وما بدأ كتقصٍّ قصيرٍ لتصميم مشروع عملي، تحوّل إلى تسعة أشهر من البحث والتعلم الزخمين.

ما أكثر ما أثار اهتمامك من المعلومات التي حصلت عليها؟

لقد وجدت التاريخ الطويل لصناعة الحرير في سوريا مذهلاً، وخاصة بتداخله مع السياسة في كل من العصور القديمة والتاريخ الحديث. لكني كنت أتوقع ذلك. أما الملاحظة غير المتوقعة التي حازت اهتمامي، والتي استخدمتها لاحقاً لتأطير البحث وتنظيمه، هي أنه لا توجد حرفةُ حريرٍ واحدةٌ في سوريا، بل عددٌ كبيرٌ من الحرف والتقاليد المترابطة والمعتمدة على بعضها البعض. فالمرء بحاجة إلى الشرانق لصنع الخيط الحريري، وبحاجة للخيط لنسج القماش أو حياكته. يبيع النساجون الأقمشة مباشرة، أو يرسلونها للصباغة. وفي بعض الأحيان تصبغ الخيوط أولاً، ودائماً تحتاج الخيوط للتحضير لتصبح جاهزةً للنسج. هذه العمليات منفصلة، ولكل منها أهلها من حِرَفيّات وحرفيين، ما عدا بعض التداخل بين المجموعات. كان الواقع الذي وجدته عبارة عن سلسلة توريد (supply chain).

نظرة إلى حرفة الحرير القديمة في سوريا
مراحل عملية انتاج الحرير في سوريا عام 2009 ( مايا الكاتب الشامي – CC BY-ND)

لقد أجريت بحثك قبل اندلاع النزاع في سوريا. كيف كان وضع صناعة الحرير التقليدية آنذاك، وهل لك شرح مكوناتها؟

في عام 2009، كانت 16 قرية سورية تربي دود القز. وكان حجم الإنتاج طَنَّيْن من الشرانق، مقارنةً بـ 360 طناً عام 1970. تنخرط الأسرة بكاملها في العمل الموسميّ المكثّف، فالديدان حساسةٌ للغاية وتتأثر سلباً بالمبيدات الحشرية ودخان السجائر والعطور والأمراض. عندما تكون الديدان صغيرةً جداً، تفرم لها النساء أوراق التوت ناعمةً، وعندما تنمو إلى حجمها الكامل، تنام العائلات في الخارج وتترك الغرف المريحة لها. لدى لقائي بعشرات من مربّي القز، كانت الدودة المحليّة، والتي تعطي شرانق أكبر حجماً وأكثر صفرةً، قد انقرضت. لم يرَها أي حلّال للشرانق منذ سبع سنوات آنذاك. مؤخراً، تستورد وزارة الزراعة بيض دود القز وتوزعه في بداية كل موسم.

أما الحَلّ فهو المصطلح المستخدم لوصف عملية اللّف العكسي للشرانق إلى تيول يبلغ طولها 500-1500 متراّ للشرنقة الواحدة. يمكننا مقارنة ذلك بالقطن، الذي يبلغ طول تيلته حوالي ست سنتيمترات في أجود الأنواع. وبالطبع، هذا هو سبب جودة الحرير. في عام 2009، تم حلّ الشرانق التي أنتجت في سوريا في قريتين. يفضّل الحرفيون والحرفيّات عدم تجفيف الشرانق، ويعملون بجدّ كبير لحلّها قبل أن تمزقها فراشات القز كاملة النمو وتطير. بعد ذلك، تقوم النساء بعدة خطوات إضافية لتجهيز الخيط للنسج.  

أخيراً، يُنسج الخيط المحلول تقليدياً باستخدام أنوال مقامة على مستوى الأرض مع حفرة مخصصة للأرجل. يختص الرجال بعمل النسج الشاق، بينما تحيك النساء الكروشيه، مُبدعةً أقمشة كاملة أو مُزينةً أطراف الشالات المنسوجة بالنول بتصاميم مزخرفة. تُصبغ القلّة من الأقمشة وتُباع الغالبية منها بلونها الطبيعي. إن ما يميز صناعة الحرير في سوريا هو استمرارها على الرغم من نكسات كثيرة. وكان من الواضح بالنسبة لي أن العائلات المعنية تحب عملها. 

ماذا عن البروكار السوري الشهير؟

بالتوازي مع الأنشطة التي وصفتُها، والتي تتركز في القرى، يُنتج الحرفيّون في المدن الأكبر كدمشق أقمشة البروكار الفريدة مستخدمين الخيوط المعدنية وخيوط الحرير المستوردة، ومستعينين بتصاميم عمرها قرون من الزمن. كما يبتكر صباغو حلب مربعاتٍ حريريةً مزركشةً بأشكال مجردة متناظرة بالأبيض والأحمر والأسود. وفي حمص وحماة، يبدع النساجون الأقمشة المخططة التقليدية. في الوقت ذاته، تُنتج الحرفيّات فساتين يستغرق صنعها أياماً، يصبغنها بطريقة الضم والربط المدعوة بالـ”مْصَرْصَرْ”. يبيع التجار المهرة الأقمشة ويتفاوضون على الأسعار مع زبائنهم الذين لا يقلّون مهارة عنهم. تشكّل كل هذه الأنشطة جزءاً من المشهد الأكبر لإنتاج الحرير في سوريا. أما عن بحثي، فقد ركّز بشكل أساسي على تتبع الشرانق المنتجة في سوريا بين 2008-2010 ومن ثمَّ الأقمشة المصنوعة باستخدامها، كما والمجتمعات المعنية بهذا التحول.

ذكرتِ أنك وجدت تاريخ صناعة الحرير في سوريا مذهلاً، وخاصةً بتداخله مع السياسة. هل لك إخبارنا المزيد عن ذلك؟

نحن نعلم أن الحرير نُسج في سوريا بدايةً في تدمر، وذلك في القرن الأول للميلاد. كان الخيط المستخدم مستورداً على الغالب، إلا أن التقنية المستخدمة في النسج كانت محلية. وفي منتصف القرن التاسع عشر، شكلت خيوط وشرانق الحرير ثلاثين بالمئة من قيمة الصادرات من موانئ سوريا [الكبرى آنذاك] وسبعين بالمئة من قيمة الصادرات من ميناء بيروت. دعمت هذه الشِّحنات صناعة النسيج المزدهرة في فرنسا، ومن غير المستبعد أن اختيار فرنسا لسوريا ولبنان للانتداب بعد الحرب العالمية الأولى كان مرتبطاً بتزويدهما إياها بالمواد الخام لصناعة الحرير. يعود الانخفاض الكبير والدرامي في إنتاج الحرير في سوريا إلى عدد من العوامل المحلية والعالمية: إنشاء قناة السويس وتسهيل الوصول [الأوروبي] إلى الحرير من وسط وجنوب شرق آسيا. انخفاض الطلب على المنتجات الفاخرة بسبب الأزمة المالية العالمية قبل الحرب العالمية الثانية، ومن ثمَّ الحرب وما بعدها. اختراع الحرير الصناعي. كما والأمراض التي أصابت دود القز في بلاد الشام على مدار عدة مواسم. وبالرغم من كل هذا، شكّل انخفاض الطلب الأجنبي فرصةً لنمو الإنتاج المحلي للخيوط والمنسوجات الحريرية، وفي عام 1964 أصبح لدينا في سوريا ستة مصانع خاصة نصف آلية نصف يدوية لإنتاج خيوط الحرير، وذلك إضافةً إلى حلّ الحرير التقليدي الذي ذكرته سابقاً.

ماذا حدث بعد ذلك؟ كيف انخفض الإنتاج إلى طنين في عام 2009؟

نظرة إلى حرفة الحرير القديمة في سوريا
انتاج الشرانق بحسب المحافظة بين عامي 1979 و 2009 ( مايا الكاتب الشامي – CC BY-ND)

في عام 1963، أنشأت الحكومة السورية مصنعاً لإنتاج خيوط الحرير، قام مع الوقت باحتكار السوق وتسبب في النهاية بإغلاق جميع المصانع الأخرى في عام 1980. على مر السنين، توقف العديد من مزارعي الشرانق عن العمل نتيجة للإحباط من الفساد والبيروقراطية وانخفاض العائد المادي من عملهم. إن موقع المصنع، في وسط سلسلة التوريد للحرفة، يفيد أن جودة منتجاته وإدارته تعني النّسّاجين كذلك. في مراحل مختلفة، تم منع استيراد خيوط الحرير [التي ينتجها المصنع المذكور] من خارج البلاد، وكان أصحاب المال والعلاقات يحصلون عليها في السوق السوداء. لقد تمّ تعسير العمل على الكثيرين من دون داعٍ، ولعبت سلسلة من التدخلات الحكومية دوراً مهماً في تقلّص إنتاج الحرير السوري في التاريخ الحديث. وبالطبع، الموضوع ليس خطّيَّاُ [مع سبب واحد ونتيجة واحدة] وهناك عوامل مؤثرة أخرى أذكر العديد منها بالتفصيل ضمن الكتاب. تتضمن هذه العوامل المخاطرة المرتفعة كما وصعوبة إنتاج الشرانق، والتغيرات في استخدام الأراضي الزراعية، وحتى التحول في عمارة القرى نحو استخدام المزيد من الإسمنت.

كيف تنصحين حكومةً ما بالتدخل لحماية حرفة تقليدية؟

إحدى التدخلات التي تبدو أكثر مقاومة للفشل تتجلى بالتركيز على زيادة الطلب على المنتجات النهائية للحرفة. ولكني بشكل عام أنصح أية منظمة حكومية أو غير حكومية بالبدء بتحليل المعضلة قبل القفز إلى رسم الحلول، كما، وعلى الأخص، بالنظر إلى الحرف اليدوية من منظور سلسلة التوريد.

نظرة إلى حرفة الحرير القديمة في سوريا
تتشارك الحرفية حورية حسن (إلى اليسار) والباحثة مايا الكاتب الشامي لحظة ودية، مرتديتين شالين حريريين يدويي الصنع على رأسيهما.(© هاني حواصلي)

ما هي أجمل ذكرى لك أثناء لقائك بالعائلات المعنيّة بإنتاج الحرير؟

سؤال صعب. كانت هناك الكثير من الذكريات الجميلة. كان الناس ودودين ومرحبين للغاية وأرادوا مشاركة قصصهم معي. تترسخ في ذاكرتي المناظر الطبيعية الجبلية للعديد من القرى المنتجة للحرير، كما وصور البيوت التي دخلتها. أنا شديدة الامتنان لمن رحبوا بي في حيواتهم وللفرصة التي أتيحت لي للتعلم عن تاريخ بلدي وناسه، وأشعر بقوة أنه يجب على كل شابة وشاب البحث في إرثهم الثقافي بشكل أو بآخر.

يمكنكم قراءة كتاب “الحرير السوري: صورة لإرثٍ ثقافي حي” هنا، وللاطلاع على المزيد من كتابات الكاتب الشامي عن الحرف التقليدية وسلاسل التوريد، اضغط هنا.


[الترجمة للعربية: ديما ديوب ومايا الكاتب الشامي]

يمكنكم قراءة مقالة مايا الكاتب الشامي عن تربية دود القز في سوريا

نظرة إلى حرفة الحرير القديمة في سوريا

التعليق هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.