1. فن صناعة النسيج السوري
  2. سجّاد لبّاد الصوف من مدينة الباب
  3. خيوط الحياة: تزيين المنسوجات السورية
  4. مجهولات: النساء وراء حرفة الأغباني الجميلة
  5. حبرٌ يدوم إلى الأبد
  6. من الحيوانات والنباتات: المواد الخام للنسيج
  7. نظرة إلى عالم تربية دودة القز في سوريا
  8. نظرة إلى حرفة الحرير القديمة في سوريا
  9. ما تبقى من طريق الحرير
  10. أهل الصحراء: الملابس البدوية
  11. البساط العجمي والعبيدي الرقيّ/ ذاكرة امرأة من مدينة الرقة
  12. المنسوجات التقليدية: تقليد مهدد بالاندثار
  13. لا تُنسى: محاولةٌ لاستحضار الذكريات الحية من خلال المنسوجات

مايا الكاتب الشامي

كانت أم محمد (شهيرة هدية) ترتدي بفخرٍ شالاً من الحرير يدوي الصنع (“مسلوبة”) عندما التقينا للمرة الأولى في عام 2009، وكانت تلف المسلوبة على رأسها كما عادتها. لأم محمد ثلاث بناتٍ وثلاثة أبناء، انتقل خمسة منهم إلى المدينة، بعيداً عن قرية دير ماما الجبلية، حيث تعيش الأم في منزلٍ من غرفتين كبيرتين مع زوجها أبو محمد (بديع سنية). رعت أم محمد شرانق الحرير منذ الصغر، حيث ربّت دود القز مع أسرتها منذ أن كانت طفلة، ثم في منزلها بعد زواجها لمدة 45 عاماَ لدى لقائنا. في عام 2009، كان نصف دخل العائلة يُدرُّ من الأعمال الزراعية (متضمنةً تربية الشرانق)، والنصف الآخر من مساهمات الأولاد. وكانت أم محمد تحضّر خيوط الحرير للنسج (بالرمي، واللف والضمّ) وتحيك بالسنارة الواحدة (كروشيه)، للحصول على دخل إضافي. 

أم محمد شديدة الفخر بعملها في الحرير، وقد رفضت ترك تربية دود القز على الرغم من إلحاح بعض أبنائها لكبرها بالسن على العمل المتعب. هي بنفسها حاكت مسلوبتها منذ سنوات عديدة، وأرتني كيف أصبحت رقيقةً في عدة مواضع لكثرة ما استعملتها على بشرة أحفادها الرُّضَّع حين إصابتهم بالطفح الجلدي. كانت تؤمن، بناءً على الخبرة، بقدرة الحرير الشفائية.

لدى لقائنا، كان كل من أم وأبو محمد يربيان دود القز كلّ ربيع بمساعدة ابنتهما التي تعيش عن قرب، وذلك في منزلهما. يفرغ الزوجان الغرفتين الكبيرتين للديدان لمدة عشرين يوماً كل عام وينامان في الخارج. ويقطفان أوراق التوت مستخدمين أشجارهم الخاصة، ويعودان بالأوراق سيراً على الأقدام، كما يتعاونان لجمع الأغصان الجافة (الشيح) وترتيبها لتشكيل تنسيقات كالأبراج، تتسلقها الديدان لاحقاً وتغزل شرانقها عليها. 

تعتمد دودة القز التي تربى في سوريا، واسمها العلمي “بومبيكس موري” (Bombyx mori)، بشكل كامل على الإنسان. فعندما تكون الدودة صغيرة، يجب أن تُفرم أوراق التوت ناعمةً وتوضع في متناولها. يجب كذلك الحفاظ على درجات محددة من الحرارة والرطوبة في الوسط الذي تُربى فيه، وأن يكون خالياً من الروائح والدخان وحتى الأصوات المزعجة. تشكل أوراق التوت التي يحتمل تعرضها للمبيدات الحشرية من المحاصيل الأخرى خطراً، كما يجب حماية الدودة مما قد يأكلها كالنمل والفئران. بشكل عام، كلما كانت رعاية ديدان القز أفضل، كلما أنتجت شرانقاً أكبر وأجمل وصار المحصول أكثر قيمةً. 

تستغرق دودة القز حوالي 35 يوماً منذ خروجها من البيضة حتى تبدأ بنسج شرنقتها. وتمر خلال هذه الفترة بخمسة أطوار (أو “أعمار”) للنمو (يستمر كل منها مدة أسبوع تقريباً)، كما يتضاعف وزنها حوالي عشرة آلاف مرة. في قرية دير ماما، تدعى الأطوار الأربعة الأولى بأسماء مستمدة من الخصائص الفيزيائية لدود القز في كل منها، حيث يسمى الطور الأول البزرة (البذرة)، والثاني الخضرة (الخضراء)، والثالث النقشة، والرابع الحمرا (الحمراء). ليس للطور الخامس اسم محدد، وتتم الإشارة إليه بعبارات مثل “بعد نومة الحمرا” أو “كسرنا الصيام (لدود القز) من كذا يوم” أو “إلنا مفطرين كذا يوم”، وما شابهها.  

ينتهي كل طورٍ بفترة صيام وطرح لجلد الدودة القديم. عندما التقيت بأم وأبو محمد، كانا يحصلان على البيوض (البذور) من وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي السورية، وغالباً ما يبيعان إنتاجهما من الشرانق إلى جارٍ تحل عائلته الحرير يدوياً للحصول على الخيوط. في عام 2009، ربى الزوجان علبةَ واحدةَ من “البزر”، وزنها قرابة 12 جراماً وفيها ٢٢ ألف بيضة فراش قز، وذلك في الغرفتين الكبيرتين لمنزلهما. عندما كبرت الديدان، وضعاها على مفارش على الأرض والأثاث، وعلى صناديق من الستيروفوم وصحون مصنوعة من مخلفات البقر المخلوطة بالقش والماء والمجففة بالشمس (“كرينات”).

تعامل أم محمد الديدان بلطف كما لو أنها حيواناتها الأليفة: تتأكد أن لديها ما يكفي من الطعام، وتدفئ المكان أو تفتح النوافذ حسب الحاجة. خلال الأطوار الأخيرة من حياتها، تستهلك العلبة الواحدة من بيض دود القز حوالي أربعة أكياسٍ كبيرةٍ من أوراق التوت يومياً ، مقسمةً على ثلاث وجبات، أي ما يعادل محصول واحدة إلى أربعة من أشجار التوت الأبيض الصحية والكبيرة بالعمر كل يوم. تدعى الشجرة المحلية بالتوت البلدي، واسمها العلمي “مورَس ألبا” (Morus alba).

أخيراً، عندما تبدأ الديدان بالتحول إلى لون شفاف، ستسارع أم محمد وزوجها لإحضار الشيح المشكَّل كأبراج، والذي قاما بتجهيزه مسبقاً، لتستطيع الديدان تسلقه والبدء بغزل شرانقها عليه. وبعد أسبوع واحد، سيتم جمع المحصول وبيعه، وذلك قبل انتهاء تحول الدود إلى فراش وخروج الفراشات مكتملة النمو من شرانقها، ملتهمةً الحاجز الحريري أمامها. بعد ذلك بشهر، في آب (أغسطس)، ستسجل الأسرة مع الوزارة للحصول على بيوض قز جديدة للربيع القادم.

بقلم مايا الكاتب الشامي بناء على بحثها “الحرير السوري: صورة لإرثٍ ثقافي حي


[الترجمة للعربية: فريق عمل خارطة التراث السوري التفاعلية ومايا الكاتب الشامي]

يمكنكم قراءة مقابلة مايا الكاتب الشامي عن صناعة الحرير في سوريا:

نظرة إلى عالم تربية دودة القز في سوريا

التعليق هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.