بقلم رانيا قطف

على مدى مئات السنين، حمل الرحّالة المارون من سوريا عبر طريق الحرير حكايات وغرائب حول صناعة الحرير وصنّاعها، وكذلك عن الصباغين ذوي الأكتاف العريضة وهم يصنعون الأصبغة فوق أسطح بيوتهم أو على أسطح الخانات وذلك لاستخدامها في تلوين الحرير وأنواعٍ أخرى من الأقمشة. أصبحت صباغة الحرير اليوم أحد الحرف المهددة بالاندثار، رغم أنها كانت تعتبر من أهم المهن التي عُرف بها الحرفيون الدمشقيون، والتي اعتبرت أساساً لحرفيي النسيج المشهور عالمياً المعروف بالبروكار الدمشقي.

ولكن هل أصبحت تلك الحرفة صفحة مطوية من صفحات الماضي؟ كان هذا أول سؤال خطر في بالي عندما التقيت بمحمد ريحاوي، الحرفي الوحيد اليوم المختص في صباغة الحرير يدوياً في دمشق: “ماذا سيحدث لمهنتي صباغة وصناعة الحرير اللتين تعتبران من المهن الأكثر أهمية في تاريخ مدينتنا وتراثها، فيما إذا توقفت عن عملك هذا لأي سببٍ كان؟” بعد القليل من التردد، أجاب برجفة في صوته: “حاولت ملياً أن أعلّم سر هذه المهنة لإبني، ولكن إذا أردت صباغة الحرير باستخدام يديك، ينبغي أن تفهم الحرير والألوان وأن تشعر بهما.  من الصعب أن أعلم ابني هذا الفن، إذ لا يمكنني تعليم الناس كيف لها أن تحب وتتعاطف مع المادة التي تتعامل بها. أعتبر نفسي مغروماً بهذا الفن الذي يحتاج إلى الكثير من الصبر والقوة والحب، فهو يسكن كل ذرة من عقلي وروحي”.

كانت بلدة دريكيش الواقعة بين مدينتي طرطوس وحمص، من أهم مراكز إنتاج أفخم أنواع الحرير. لقد كان هذا الصنف من الحرير من أجمل الخيوط التي يعشق الصُّباغ التعامل معها. يوصفه ريحاوي بأنه: “كان لهذا الصنف لمعة نادرة لا توجد في أصناف أخرى من الحرير، بما فيها حرير الصين الشهير. وحتى عام ٢٠٠٩، كانت دريكيش المصدر الأساسي لإنتاج وتزويد السوق المحلية بالحرير الذي يصنع منه البروكار الدمشقي وهو قماش مصنوع يدوياً أو آلياً من الحرير تتخلله خيوطٌ من الذهب أو الفضة. لكن اليوم وبعد إغلاق مصنع دريكيش، استبدل الحرير الفريد لتلك المدينة بحرير الصين. ويضيف ريحاوي “غير هذا كل شيء، لا تندمج الأصباغ بنفس الطريقة مع الحرير الصيني، وكأنها تشعر أنها تتعامل مع جسم غريب عنها.

لعب طريق الحرير دوراً أساسياً في نشر الحرف المتعلّقة بالحرير وفن الصباغة في سوريا، وتحديداً في مدينة دمشق. يؤكد محمد رنكوس، أحد حرفيي البروكار في دمشق، أن دور دمشق في هذا الفن أدى إلى تسمية أحد الألوان بإسمها، وهو اللون الأزرق الشامي، المعروف عند سكان المدينة المحليين حتى يومنا هذا. ويوضّح رنكوس أن هذا اللون مرتبط بهوية المدينة، ويقول وهو ينظر الى السماء: “بالنسبه لنا نحن كدمشقيين، دمشق قطعةٌ من جنة الله على الأرض، الجنة الواقعة وراء هذه السماء الزرقاء. وقد تكون هذه الرمزية سبب التسمية وربط اللون بهذه المدينة.”


رانيا قطف تعمل من دمشق في مجال الفنون البصرية بهدف توثيق ذاكرة المدينة من خلال القصص والصور الفوتوغرافية، وهي تحاول من خلال مجموعتها على موقع فيسبوك ( Humans of Damascus) إشراك المجتمع الدمشقي في هذا التوثيق بوسائل افتراضية.

التعليق هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.