بقلم استيباليز سينرا إراشيتا

لطالما كانت الأنشطة المتعلقة بإنتاج الأنسجة التقليدية ذات أهميةٍ حيويةٍ في العلاقة بين البشر والطبيعة، باعتبارها توفّر معرفةً عميقةً بالنباتات والحيوانات، وكذلك المعادن المتواجدة في البيئة المحيطة. ارتبط الحصول على الألياف الطبيعية بالمعرفة البشرية وتطور الحياة، بما في ذلك تدجين الحيوانات وزراعة المحاصيل، إذ أن الأنسجة مصنوعاتٌ تساعد على البقاء في الأحوال الجوية القاسية ومهام الحياة اليومية.


الحرير

من الحيوانات والنباتات: المواد الخام للنسيج
خيوط سداة من الحرير في معمل النسيج لعائلة مزنر بدمشق – © فلورنس أوليفري (CC-BY-NC-SA)

يرتبط إنتاج الدِمَقْس (الدامسكو) والبروكار ارتباطاً وثيقاً بتاريخ صناعة الحرير في سوريا والموروث الخاص بها. اكتُشف الحرير في الأصل في الصين، ولقرونٍ عديدة بقيت أسرار تربية ديدان القز ومعالجة أليافه تحت حراسة مشدّدة. وعلى الرغم من أن تاريخ انتشار تربية دودة القز غير معروف، إلا أنه يعتقد بأن هذا النشاط انتشر خارج الشرق الأقصى بفضل تأسيس وازدهار طريق الحرير.

كان لشبكة طرق التجارة القديمة ثلاثة فروع مهمة تنتهي في المدن السورية: الطريق البري من آسيا الوسطى عبر بلاد فارس والعراق إلى حلب وأنطاكية؛ والطريق البحري الذي يربط الهند بالخليج العربي؛ ثم براً أيضاً من بغداد أو الموصل إلى حلب أو تدمر أو دمشق. في أسواق هذه المدن، كان يمكن الحصول على أجود الخيوط والأقمشة الحريرية لنقلها وبيعها في أوروبا ودول البحر الأبيض المتوسط. من المعروف أن الإمبراطورية الرومانية استوردت حرير الشرق من سوريا، وأن تجار الحرير أو السريكاري كانت لهم مقراتهم الخاصة في مدينة روما. علاوةً على ذلك، نشأت في سوريا حياكة حرير الـ (مَبْرَد) أو التويل باستخدام أنوال السحب، وتم إدخالها لاحقاً إلى الإمبراطورية الفارسية من قبل العبيد السوريين الرومان الذين أسرهم الإمبراطور الساساني شابور الأول في عام 360 (هاريس، ص 60؛ سكوت، ص 52؛ بافالوي، ص 215). التويل هو نوع من النسيج، يتسم بنمط خيوط سداة متوازية مائلة تسمى أيضاً التويل. وتسمى الخيوط الأفقية فيه بخيوط اللحمة (الدرأ)، وهي التي تشكّل نمط الغرزة. تم ذكر صناعة المنسوجات أيضاً في مراسيم الإمبراطور الروماني دقلديانوس (301) التي أشارت إلى إنتاج الحرير وعدد الأنوال الخاصة بحياكة أقمشة الدامسكو النقية (بافالوي، ص 211). من المحتمل أن الإنتاج الواسع للحرير قد تطور خلال العهد البيزنطي من قبل الكهنة النسطوريين في عام 553، وازدهر فيما بعد في مدينتي حمص وحماة. وعندما فتحت الجيوش الإسلامية بقيادة خالد بن الوليد المنطقة، تضمنت الجزية التي دفعها الدمشقيون للفاتحين “ألفي ثوب حريري … وحمولة ثلاثمائة جمل من الحرير” (بافالوي، 1992، ص 212).

أصبحت خيوط الحرير الطبيعية من أغلى السلع في دولة الخلافة، وأصبح عنصراً قيماً في الثقافة الإسلامية كما كان الحال مع سابقتها الرومانية. بدأ استخدام الأقمشة الحريرية كهدايا ورموز لـ “الاعتراف أو التعبير عن الإحسان من الأقوياء إلى مرؤوسيهم” (لومبارد، 1987). كما ارتبطت تلك الأقمشة بشكلٍ وثيق بالتعبير عن القيم المادية والروحية بين جميع طبقات التسلسل الهرمي الاجتماعي وبين الجماعات الدينية المختلفة، من بلاط الخلفاء الأمويين إلى السكان الريفيين والبدو في يومنا هذا. 

تشتهر قرية دير ماما الصغيرة في مدينة مصياف بإنتاج الحرير الطبيعي حتى يومنا هذا. إن موقعها على الجانب الشرقي من الجبال الساحلية حيث البيئة الطبيعية المثلى والمناخ المعتدل، سمح بتربية دودة القز على مر القرون، وتم الحفاظ على تلك الحرفة من قبل سكانها المتفانين. عمل القرويون على إنقاذ صناعة الحرير من الاندثار عن طريق نقل المعرفة إلى أبنائهم وأحفادهم، حتى أنهم قاموا حديثاً بانشاء متحفٍ محلّيٍ يظهر الأهمية التاريخية والثقافية لخيوط الحرير وإنتاجها في المنطقة. 

يبدأ الحصول على الحرير بتربية ديدان القز Bombyx mori، وهي عملية تحددها المراحل الأربع لدورة حياة الحشرة: النمو من البيضة إلى يرقة، ومن اليرقة إلى شرنقة، وأخيراً إلى فراشة. كان المزارعون السوريون في الماضي ينتجون بيوض دودة القز الخاصة بهم، ولكن في الوقت الحالي يتم شراؤها من وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي في سوريا. 

تبقى البيوض خاملة خلال فصول الصيف والخريف والشتاء، إلا أنه مع قدوم الربيع تفقس اليرقات. تتزامن تلك العملية مع فترة إزهار أشجار التوت. توضع يرقات دود القز على مفارش خاصة وتحفظ داخل صناديق في المنزل، ويتم بعد ذلك إطعامها أوراق التوت ثلاث مرات يومياً ولمدة ستة أسابيع. تصل اليرقات لمرحلة البلوغ بعد طرح جلدها خمس مرات، وتستمر بالنمو حتى تصبح بطول سبعة أو ثمانية سنتيمترات. في نهاية مرحلة بلوغها تصبح الديدان شفافة، مما يعني أنها قد أصبحت جاهزةً لنسج شرانقها. تفرز الديدان خيوط الحرير وتلف نفسها بها بعد تزويدها بأغصان شجيرة جافة لتتدلى منها، وهي مهمة تستغرق من ثلاثة إلى أربعة أيام. تقوم الشرنقة بحماية الدودة حتى تتحول إلى خادِرة، وهو تحولٌ يستغرق ما بين أسبوعين إلى ثلاثة، وبعد ذلك تمزق الفراشة الشرنقة وتغادرها. في الأيام الثمانية إلى الإثنتي عشر التالية، تتزاوج الفراشات وتضع ما بين 200 إلى 300 بيضة قبل أن تموت. 

يجمع مربّو دود القز الشرانق ويقسمونها حسب حجمها وجودتها إلى فئتين. يتم إرسال الشرانق الجيدة إلى عملية الحلّ، حيث يتم تليين خيوط الحرير المفردة المتصلّبة من الشرانق في الماء المغلي ويتم فكها بشكل فردي بمساعدة دولاب. تقوم كل شرنقة بإنتاج خيط واحد يمكن أن يصل طوله إلى 1500 متر. يتم بعد ذلك دمج خيطين معاً ولفهما لتشكيل خيط حرير واحد باستخدام دولاب الغزل أو المغزل. فيما بعد تُحل الخيوط مرة أخرى لتشكيل بكرات من الخيوط التي يمكن استخدامها في الحياكة أو أشغال الإبرة (الكاتب، 2011).


الصوف

من الحيوانات والنباتات: المواد الخام للنسيج
محل لبيع الصوف في حل- © فولفغانغ ماير (CC-BY-NC-ND)

كان لإنتاج واستخدام الصوف الذي يتم الحصول عليه بشكل أساسي من أغنام العواس، أهمية خاصة عند البدو والفلاحين في سوريا. اعتاد هؤلاء على تربية ورعي قطعانهم في الأراضي العشبية في المناطق شبه الجافة أو الجافة في جنوب غرب آسيا منذ أكثر من 5000 سنة (إبستاين، 1980).

تبدأ معالجة الصوف بجز صوف الأغنام خلال فصل الصيف، باستخدام مجزّات اليد أو المقصّات. يتم بعد ذلك غسل جزّات الصوف في المنزل بالماء الدافئ لإزالة أيّة مواد عضوية مثل الروث أو الأشواك. بعد تجفيفها تحت الشمس أو بجوار النار، تُضرب حزم الصوف بالعصي لتليين الألياف. يتبع ذلك عملية الندف (أو التمشيط)، الذي يسهل عملية الغزل أو التلبيد، وذلك عن طريق فصل الألياف وتنظيمها في اتجاه واحد بمساعدة مشط أو أداة ذات مسامير. بمجرد الانتهاء من عملية التمشيط، يمكن بيع الصوف في الأسواق أو غزله إلى خيوط في المنزل لحياكة المنسوجات السميكة مثل المعاطف أو السجاد. كذلك كان استخدام شعر الإبل والماعز شائعاً جداً بين البدو، حيث تميل أليافها لتكون ناعمة ورقيقة ولكنها شديدة المقاومة. تم استخدام الشعر في نسج أقمشة الخيام والبُسُط والحقائب والعُصَب والنُطُق والأحزمة. كما كان يتم غزل صوف الجمل في خيوط دقيقة واستخدامه بشكل خاص لنسج العباءات الثمينة التي يرتديها أثرياء البدو في الأعياد.


القطن

من الحيوانات والنباتات: المواد الخام للنسيج
إمراة في حقل من القطن- © جان-كلود دافيد (CC-BY-NC-ND)

القطن هو ألياف نباتية تنمو من شجيرات Gossypium. ويُعتقد بأنه قد دخل إلى سوريا أول مرة من الهند عبر طرق التجارة منذ أكثر من ألفي عام مضت. ازدادت أهمية إنتاج القطن في الأراضي السورية بحلول أواخر العصور الوسطى، إلى حد أنها صدرت أضخم كميات القطن الخام إلى أوروبا، مما ساهم في ازدهار الأقمشة الفستيانية في لومباردي وجنوب ألمانيا. بحلول نهاية القرن الخامس عشر، كان قطن مدينة حماة يعتبر الأفضل في جميع الأسواق الأوروبية، وكان تجار البندقية يرسلون قافلتين سنوياً إلى سوريا ويستوردون في كل رحلة ما بين 5000 و 8000 كيس من القطن الخام والخيوط القطنية (جيب، 1954، ص 556).

تبدأ عملية إنتاج القطن بزراعة البذور في موسم الأمطار. وبعد بضعة شهور تتفتح أزهار النبات، والتي تشكل بعد ذبولها ثمرة خضراء تنضج وتتفتح لتكشف عن ألياف القطن الزغبيّة التي تغطي البذور. يحدد تفتح البراعم بداية وقت جمع المحصول، والذي كان يتم يدوياً أما حالياً يتم باستخدام الآلات.


استيباليز سينرا إراشيتا خبيرة في المنسوجات التقليدية، وهي مرشحة لنيل درجة الدكتوراه في دراسات التراث العالمي في جامعة براندبورغ التقنية في كوتبوس. عملت سابقاً في مجموعة ( Ruth D. Lechuga Folk Art Collection ) ضمن متحف فرانز ماير، وكمدرّسة في ورشة ترميم النسيج الخاصة بالمدرسة الوطنية للحفظ والترميم والمتاحف ضمن المعهد الوطني للأنثروبولوجيا والتاريخ في المكسيك.

التعليق هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.