قابلتها رشا قنجراوي

تعمل عالية النعيمي بمهنة العجمي العريقة، وهي فنانةٌ تقوم بتدريس الحرفة ضمن ورشتها الخاصة في دمشق. في جعبتها العديد من المعارض الفنية، وهي أحد النساء القلائل اللواتي يعملن بهذه المهنة. ضمن هذه المقابلة شاركت عالية النعيمي معنا تجربتها في العمل بهذا المجال، ووجهة نظرها الشخصية كإمرأة عن موضوع التجديد ضمن حرفة تقليدية.

عالية، أنت فنانةٌ لديها شغف بحرفة العجمي التقليدية، والمسماة أيضاً حرفة الدهان الدمشقي، ولكن كيف تعلمت هذه المهنة بالأساس؟

عالية النعيمي تقوم باختبار طرق جديدة في الألوان وديكورات العجمي (الصورة: © عالية النعيمي، CC-BY-NC-ND)

منذ صغري أثارت الفنون والزخارف الموجودة ضمن البيوت العربية القديمة في دمشق اهتمامي، ولهذا قمت بارتياد ورشة للدهان الدمشقي بالقرب من بيتي، وأخذت بالمراقبة والسؤال والعمل لوحدي لمدة سنة تقريباً إلا أن صاحب الورشة لم يكن على استعدادٍ لتعليمي بشكلٍ مباشر. بعد فترة دخلت كلية الفنون الجميلة، ووجدت أحد المقررات التي تشرح خواص المواد والتقنيات، فيها وجدت بعض المعلومات الخاصة بهذه المهنة دون ذكر مقادير. قمت بالتجريب باستمرار حتى وصلت لخلطةٍ مشابهةٍ في الملمس والخواص لتلك التي يتمّ استخدامها في الورشة. منذ ذلك اليوم أقوم بالعمل وتطوير العجينة، ثم عملت على اتقان مراحل هذه الحرفة بموادي الخاصة. بشكل عام فإن معظم هذه المعرفة متوفر اليوم للجميع.

هل يمكن لأي أحد أن يتعلم هذه المهنة؟ وماهو مستوى المعرفة المهنية المطلوب لتعلمها؟

 

عالية النعيمي تقوم بتطبيق العجينة النافرة على عمل عجمي (الصورة: © عالية النعيمي، CC-BY-NC-ND)

يستطيع أيّاً كان التعلم، بشرط أن يكون لديه رغبة بذلك ويد متمرسة بالرسم. يمكن التعلم بورشة لدى أصحاب المهنة. من يرغب بممارسة المهنة يتوجه لمعلم ورشة لطلب العمل عنده، وعلى الصانع ان يتدرب لفترة طويلة حتى يتعلم أسرار المهنة ويتمكن منها ليصبح قادراً على أن يستقل بورشته الخاصة. عام 2015 قمت بعمل ورشة تدريب لمدة 3 أشهر ضمن دار الأوبرا وكان لدي طلاب من عمر 10 إلى 60 سنة، كل لديه شهادات ودوافع مختلفة. بالطبع فإن الأعمال الناتجة مختلفة السوية، لكن يمكن اعتبارها جميعاً أعمالاً جيدةً كمحاولة أولى. خلال السنتين الماضيتين قامت اليونيسكو بعمل دوراتٍ تدريبيةٍ داخل سوق المهن اليدوية بدمشق. كانت مدة التدريب محدودةً لاتزيد عن الشهر، إلا أن من يلتحق يستطيع خلالها الاطلاع على المراحل الأساسية وتنفيذها بشكل نظري. بالطبع فإن مهنةً كهذه بحاجة للممارسة، ومن يتعلّم عليه أن يواصل العمل لتنمية مهاراته ويتمكّن أكثر من الحرفة.

ماهي تجربتك كامرأة بالعمل بمهنةٍ ذكوريةٍ؟ وهل كان هناك صعوبة بتعلمها؟

كانت الصعوبة الأكبر هي عدم وجود أحد يرغب بتعليمي. يمكن لأيٍّ كان الذهاب وطلب العمل بأيّ ورشة، لا مشكلة بأن يبيع صاحب الورشة كميةً من العجينة، إلا أنه ليس مسؤولاً عن الباقي. يعتبرون هذا حفاظاً على سرّ المهنة. كانت هناك بعض الصعوبة عند بداية عملي في هذا المجال، واجهت بعض الاستنكار والاستهجان أن تكون هذه مهنتي كامرأة، حتى شاهدوا عملي وأُعجبوا به. حتى أن الحرفي الذي أعطاني شهادة ممارسة المهنة اختبرني لمدة ثلاثة أيام، على الرغم من أني كنت أمارس المهنة وقتها لمدة 17 عاماً، لكنه أصر على اختباري بنفسه بكل مرحلة من مراحل الحرفة وأعطاني الشهادة على مضض. وفي أحد الأيام دعيته لأحد المعارض التي أقمتها وكان يشاهد اللوحات ويسألني بدون تصديق إن كنت أنا من قام بهذا العمل ’هي شغلك أنت؟‘.

مايميز فن العجمي هو غِناه بالزخارف المتنوعة الألوان والأنماط الذي جعله أحد أهم أعمال الإكساء، كيف يتم اختيار التصميم والزخارف المُنفّذة؟ وهل هناك أشكالٌ وتفاصيلٌ تستخدمينها بشكل دائم، أو أنماطٌ من الزخرفة التقليدية تقومين باتباعها؟

أنماط الزخارف واسعةٌ ويمكن لأيّ كان أن يؤلّف وحدته الزخرفية بنفسه. من الممكن استخدام نمطٍ شائعٍ كالزخرفة الفاطمية مثلاً، أو الزخرفة الهندسية والخط العربي والجدلات والمعينات، الشكل المُثمّن وهكذا. ضمن هذه الأنماط يمكن إدخال زخارفٍ نباتيةٍ أيضاً. هناك وحداتٌ زخرفيةٌ معروفة كالزهرة الفارسية، أو بعض الزخارف الفاطمية التي تعتمد على ورقة تُشبه حبة اللوز. بالإضافة لوجود الخط العربي وهو مجالٌ كبيرٌ، فالخطوط متعددة مثل الديواني، الثلث، جلي الثلث، والفارسي. والحرفيّ المُتمرّس يستطيع خلق أنماط مختلفة فلكلّ شخصٍ بصمته الخاصة. معلّم الحرفة هو من يعطي التصميم الأساسي، وهو يقدّر حجم العمل والخطوات ويقسّم المساحة بذهنه ليتخيل ماذا سيكون في كل مساحة، ثم ينقل هذه الفكرة للنجار والحرفيين ليتم العمل عليها.

يمثّل عملك مزيجاً بين شكل الحرفة التقليدي وإدراج طرقٍ جديدةٍ مبتكرة في العمل بهذه الحرفة، ماهو رأيك بموضوع تغيير المهنة التقليدية نحو عمل أكثر حداثة؟

 

تفسيرات معاصرة للحرفة التقليدية -ورشة عالية النعيمي، (الصورة: © عالية النعيمي، CC-BY-NC-ND)

أعتقد أن أيّ شي لايتم تطويره يمكن أن يفقد من بريقه وجاذبيته. صحيحٌ أننا نريد أن نحافظ على أصالة التراث، ولكن الأجيال الجديدة بحاجة لأن تنجذب لهذا الموضوع لتقتنيه بحيث لايتعارض مع ذوقها، وإلا لن يستمر وسيتم فقدانه. تطورت المهنة حسب المواد المتوفرة بكل زمن، فقد تغيرت الألوان مثلاً، حيث تُستخدم ألوان الأكرليك اليوم أو حتى الدهانات الزيتية. فهناك تطوير بالمواد ولكن الشيء الأساسي الذي يحافظ عليه أصحاب المهنة هو التركيبة الأساسية للعجينة. حتى عندما بدأت بتغييرها واستخدمت نوعاً مختلفاً من الغراء واجهت انتقاداً على الرغم من أن النتيجة واحدة برأيي. فسابقاً كان الغراء الأحمر هو الوحيد الموجود ولم يكن هناك غراءٌ كيميائي أو نباتي، ولهذا كان الغراء يصنع دائماً بالشكل التقليدي عن طريق عمل حمام مائي وصنعه بشكل يدوي. من ناحية الخشب المستعمل هناك أيضاً تغيير. قديماً تم استخدام الخشب الطبيعي وكان هذا يستدعي معاملةً مختلفةً لأن الخشب الطبيعي يتشقق كلّما جفّ. ولتفادي هذا كان هناك مرحلة اسمها التشييش (أي تغليف الخشب بالشاش) وثم التأسيس بدهنه بنفس العجينة قبل تنزيل الزخارف. بينما يمكن اليوم استعمال نوعية مختلفة وهي خشب MDF وهو على شكل ألواحٍ كبيرةٍ مستوية بسطح ناعم ولا يتشقق. أنا أفضل التطوير حتى تصبح المهنة أسهل للممارسة وتنتشر بشكل أوسع.

باعتبار أنك تقومين بتعليم الحرفة، ماهو دافعك الشخصي لإجراء ورشات التدريب والتعليم؟

أحب أن أنشر هذه المعرفة والمهارة الخاصة بالحرفة. ولمّا كان تعلم هذه المهنة غير متاحاً بالنسبة لي، أصبح لديّ دافعٌ أن أعلّمها بشكلٍ مجاني وأنشر هذه المعرفة للناس لأنها تستحق أن يتمّ الحفاظ عليها. وعندما تكون هذه مصلحة عامة فإنها تصبح أهم من المصلحة الشخصية. صاحب الورشة يحبّ أن يحتفظ بأسرار مهنته بسبب المنافسة أو حتى لا يصبح هناك الكثير من المواد المنتجة بنفس الطريقة. إلا أن هذا يعتبر أنانية، لأن نشر الموضوع وتعميم المعرفة هو وسيلةٌ للحفاظ على التراث، وخاصة بالمرحلة الأخيرة إذ أصبح هناك هجراتٌ كثيرة وأغلقت العديد من الورشات لمختلف الأسباب. لهذا لدينا مسؤولية أن تبقى هذه الروح مستمرةً وخالدة للأجيال القادمة.

يمكنم الاطلاع على صفحة عالية النعيمي على موقع فيسبوك لمعرفة المزيد عن عملها ومشاهدة الصور.


اقرأ المزيد من المقالات والمقابلات في سلسلة “العجمي”:

انضم إلى المحادثة

2 تعليقات

  1. اولاً وقبل كل شيء شكراً على الجهد المبذول باخلاص واضح للوصول الى هكذا نتائج رائعه .
    ثانياً حبذا لو قمتم بإجراء الحوار موثقإً بالرسوم التوضيحية للأعمال المنجزه.بحيث يصبح هناك ارشيفاً مرجعياًً موثقاً.
    ثالثاً هناك مرحلة غائبة وهامة وهي طريقة تثبيت الالواح دون ان يتأثر العمل الفني وكذلك كيفية انجاز العمل من الواح منفرده الى عمل كامل مع اطاره والعنصر الحيادي المحيط به لجعل الصورة كاملة ( الاطار كمثال).
    رابعاً وأخيراً أسئلة تفرض نفسها :
    1-اليس هناك من دور لمكتب عنبر قام به سابقاً!! وما هو؟؟
    2- من الواضح ان الغرفة الحلبية هو عمل مميز .اين دور فماني وحرفيي حلب في ذلك؟
    3- الم يكن العاملون في رسم الايقونه في حلب هم جزء مهم في هذه الحرفه وخاصة ان الاعمال الهامة في حلب كانت في مناطق مسيحية؟؟
    واكرر شكري للجهد المبذول وللقائمين عليه وعذراً للإطاله
    بكل المودة والإحترام

    1. شكراً لتعليقك ولطرح بعض النقاط الهامة.
      الدراسات بخصوص تركيب الألواح شبه غير موجودة ولكن مهم جدا ان تدرس بالتفصيل وتوثق وخاصة خلال عمليات الترميم ويمكن ان بعض المرممين (وخاصة انكه شراز) اصبح لديهم الخبرة بذلك ولكن لم توثق. بشكل مختصر عند تركيب الالواح يتم عمل الرتوش الضرورية للأماكن المتضررة ويتم دهن طبقة الورنيش الاخيرة.
      للأسف بخصوص بعض النقاط التي ذكرتها لاتوجد معلومات كافية كي يتم عرضها ولكنها بالتأكيد هامة. لايسعنا إلا انتظار أن تظهر نتائج أبحاث فيها أو أن يشارك أهل المهنة معلوماتهم عنها مع مشروعنا ليتم توثيقها وعرضها.

التعليق هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.